عشية انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات العسكرية اللبنانية- الإسرائيلية في تامبا، في ولاية فلوريدا الأميركية، يقف لبنان ضائعاً على حافة تحولات عسكرية وأمنية وسياسية. وفيما تواصل إسرائيل فرض واقع ميداني جديد بالقوة في الجنوب، يقف لبنان الرسمي عاجزاً، على رغم الاستنفار الديبلوماسي العربي والفرنسي الطارئ لمساندته، ومنع الأسوأ. فلا الحكومة قادرة على التصدي لإسرائيل وفرض انسحابها من المناطق التي تحتلها، ولا هي قادرة على فرض تنفيذ قراراتها بسحب سلاح حزب الله. واليوم، واصلت القوات الإسرائيلية نشاطها المشبوه باستحداث طرق في مناطق سيطرتها، فشقت طريقاً من تلة يحمر الشقيف باتجاه نهر زوطر الشرقية، ونفذت أعمال تجريف وتفجيرات لمنازل في أرنون وزوطر. وهذا التحرك الميداني تزامن مع تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أعلن فيها البقاء في “الحزام الأمني” وعدم الانسحاب، ما لم يُنزع سلاح حزب الله، وشكك بقدرة الحكومة اللبنانية على حسم ملف السلاح. وهذا الموقف يعني واقعياً إفراغ مفاوضات فلوريدا من زخمها، وجعلها مساراً شكلياً يسبق الانتخابات الإسرائيلية، فيما تستغل تل أبيب مهلة التفاوض لانتزاع مكاسب جغرافية وأمنية دائمة. وأمام هذا الضغط الميداني، شهدت بيروت حركة دبلوماسية مكثفة قادها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، إلى جانب ممثل الأمين العام للأمم المتحدة جان أرنو. وأظهر موقف لبنان الرسمي تمسكاً صارماً بضرورة تجديد ولاية قوات “اليونيفيل” ومنع حدوث أي فراغ أمني في الجنوب، في مواجهة توجهات دولية وتل أبيب لإنهاء مهمتها أو استبدالها بآليات أخرى. وأكدت الجامعة العربية وباريس تقديم دعم سياسي وميداني للبنان، مع مطالبة إسرائيل بالانسحاب وتطبيق القرار 1701، والسعي إلى تأمين شبكة أمان واستثمارات لإعادة الإعمار ودعم الجيش اللبناني، باعتباره القوة الوحيدة المخولة بسط السلطة. في المقابل، تتفاقم أزمة لبنان الداخلية وتزداد تعقيداً. وتبدو السلطة عاجزة عن مجاراة المطالب الدولية أو مواجهة تشدد حزب الله. وعكس موقف النائب إبراهيم الموسوي نبرة عالية ضد السلطة، محذراً إياها من “الانفجار الذي بات على الحافة”، ومتهماً المسؤولين بالخيانة والانصياع لإملاءات الخارج. وجاء كشف الأجهزة الأمنية اليوم عن نفق بطول 11 متراً في بلدة الفنار المتنية ليشكل تطوراً حساساً، حيث تجري تحقيقات لمعرفة ما إذا كانت له علاقة بالبنية التحتية للحزب وطبيعة استخدامه، ما يفتح الملف الأمني على مساحات جديدة خارج نطاق الجنوب والبقاع. وبهذه التطورات، يدخل لبنان الرسمي مفاوضات فلوريدا مكبل اليدين. فلا هو قادر على كبح جماح إسرائيل في توسيع الحزام الأمني ودفعها إلى انسحابات جديدة، ولا هو قادر على احتواء سلاح حزب الله الذي يزداد تمسكاً بمواقفه. تامبا تحت وطأة الشروط الإسرائيليّة تكتسب الجولة المرتقبة في تامبا أهمّيّةً تتجاوز جدول أعمالها العسكريّ، إذ تنعقد في ظلّ اختلافٍ جوهريّ بين ما يريده لبنان من المفاوضات وما تسعى إسرائيل إلى فرضه عبرها. فبيروت تتمسّك بوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلّة، فيما تتعامل تل أبيب مع استمرار وجودها العسكريّ باعتباره ورقة ضغطٍ لانتزاع تنازلاتٍ تتعلّق بسلاح “حزب الله” والترتيبات الأمنيّة المستقبليّة. وتكمن خطورة الموقف الإسرائيليّ في تحويل الانسحاب، الذي يُفترض أن يكون التزامًا قائمًا بذاته، إلى مكافأةٍ مشروطة بتنفيذ مطالب أمنيّة وسياسيّة. وبهذا المعنى، تصبح المفاوضات وسيلةً لإدارة الاحتلال بدل إنهائه، خصوصًا مع استمرار أعمال التجريف وشقّ الطرق والتفجيرات، بما يوحي بمحاولة تثبيت بنيةٍ ميدانيّة تسمح بإطالة أمد السيطرة الإسرائيليّة. وتتضاعف حساسيّة هذه المعادلة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابيّة الإسرائيليّة، وما قد يرافقها من تشدّدٍ في المواقف الأمنيّة. فنتنياهو يستطيع توظيف استمرار السيطرة على مناطق لبنانيّة في خطابه الداخليّ، فيما يجد الوفد اللبنانيّ نفسه أمام مفاوضاتٍ تفتقر إلى ضماناتٍ مسبقة بأن تؤدّي إلى انسحاباتٍ فعليّة. وفي موازاة ذلك، يتجدّد الضغط الأميركيّ لحسم ملفّ سلاح “حزب الله”، بما يضع الدولة أمام معادلةٍ شديدة التعقيد: مطالبتها ببسط سلطتها الحصريّة على أراضيها، في وقتٍ تستمرّ فيه إسرائيل بتقويض مقوّمات هذه السلطة عبر الاحتلال والاعتداءات. وهنا تبرز المعضلة الأساسيّة، إذ إنّ تنفيذ الالتزامات اللبنانيّة يحتاج إلى بيئةٍ أمنيّة وسياسيّة تسمح للدولة بتعزيز حضورها، فيما يؤدّي استمرار التصعيد إلى إضعاف قدرتها على ذلك. عون بين الخيار الدبلوماسيّ وضرورات الحسم في هذا المناخ، يتمسّك رئيس الجمهوريّة جوزاف عون بالمسار الدبلوماسيّ، باعتباره الخيار الأقلّ كلفةً على لبنان، مع إقراره بأنّ استمرار الاعتد