لا يدخل الإسرائيليون (يهود وعرب ودروز) انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر بالسؤال نفسه. فهناك من يريد قيادة تعيد الردع، ومن يطالب بمحاسبة المسؤولين عن إخفاق السابع من أكتوبر، ومن ينتظر حماية من الجريمة أو مساواة في السكن والخدمات. وبعد ثلاث سنوات من 7 تشرين الأول/أكتوبر والحروب اللاحقة، تبدو كلمة الأمن جامعة في الخطاب، لكنها تخفي اختلافات عميقة في التجربة والأولويات. لهذا، تتجاوز الانتخابات المفاضلة بين بنيامين نتنياهو ومنافسيه. إنها منافسة على تعريف الدولة التي يريدها الناخبون: دولة تصلح مؤسساتها، أم تعيد النظر في علاقتها بمواطنيها؟ وهذه الخيارات تتداخل، فقد يريد الناخب محاسبة الحكومة ويتمسك بسياساتها العسكرية، أو يطالب بالشراكة من دون أن يثق بالأحزاب التي تعرضها. حماية الحدود ومحاسبة القيادة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور اليهودي، يبقى منع تكرار هجوم أكتوبر معياراً للحكم على المرشحين. لكن الاتفاق على أولوية الحماية لا يعني الثقة بالقيادة القائمة. ففي استطلاع نُشر في أيلول/سبتمبر، أبدى 61 في المئة رضاهم عن إدارة الجيش للحرب في غزة، مقابل 34 في المئة عن إدارة الحكومة، وأيد 75 في المئة إنشاء لجنة تحقيق رسمية. تكشف هذه الفجوة أن تقدير الجيش يمكن أن يتعايش مع المطالبة بمحاسبة السلطة السياسية. لكنها لا تثبت انتقالاً نحو الاعتدال أو التسوية، فرفض إدارة الحرب يختلف عن رفض الحرب نفسها، والرغبة في تغيير رئيس الحكومة لا تعني بالضرورة مراجعة تصوراته الأمنية. يراهن نتنياهو وحلفاؤه القوميون والدينيون على أولوية القوة والردع، ويربط شركاؤه الأكثر تشدداً الأمن بتوسيع السيطرة والاستيطان. في المقابل، يعرض غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب ياشار، استعادة كفاءة الدولة واستقلال مؤسساتها، ويتقاطع معه تحالف بينيت ولابيد في التحقيق بإخفاق أكتوبر وتقييد مدة رئاسة الحكومة. غير أن البديل المطروح أوضح في قضايا الحكم منه في العلاقة مع الفلسطينيين. فالمعارضة لا تتفق على مشروع تسوية مع الفلسطينيين، وبعض قادتها ينافس نتنياهو من موقع يميني. وقد تقود الرغبة في التغيير إلى قيادة مختلفة، من دون أن تنتج سياسة مختلفة بالقدر نفسه. ويضيف التجنيد سؤال العدالة إلى النقاش الأمني. فالمطالبون بتوسيع خدمة اليهود المتشددين دينياً يريدون تقاسماً أوسع للأعباء والمخاطر، بينما تدافع الأحزاب الدينية عن خصوصية جمهورها. وإلى جانب ذلك، يحضر غلاء المعيشة والسكن والخدمات بوصفه هماً يتجاوز الانقسامات، فالناخب يختبر وعود الدولة أيضاً في قدرته على تأمين حياة مستقرة. العرب والدروز: المواطنة في الحياة اليومية عند الناخبين العرب، يتقدم وجه آخر للأمن، وهو القدرة على العيش بعيداً عن القتل والجريمة المنظمة. وتظهر استطلاعات الأولويات الانتخابية مركزية هذه القضية، إلى جانب تكاليف المعيشة. فالحماية المطلوبة تبدأ أيضاً من الشارع والحي، ومن شرطة قادرة على مواجهة العصابات. وترافق ذلك مطالب بالسكن وتراخيص البناء والخدمات والميزانيات العادلة، ومواجهة التمييز والتحريض. ولا تلغي هذه الأولويات الموقف من الحرب وحقوق الفلسطينيين وحرية التعبير، لكنها تمنع اختزال الناخب العربي في موقف سياسي واحد، أو التعامل مع صوته باعتباره مقعداً إضافياً في حسابات الآخرين. وتختلف الإجابات عن كيفية تحقيق هذه المطالب. فالقائمة الموحدة تراهن على المشاركة والتفاوض لتحصيل مكاسب ملموسة، فيما تبرز لدى قوى عربية أخرى تحفظات أوسع على شروط الشراكة وكلفتها السياسية. وبين الخيارين، يظل السؤال عن جدوى التصويت مرتبطاً بالقدرة على إحداث تغيير محسوس. أما لدى الدروز، فتحضر خصوصية العلاقة بالدولة والخدمة العسكرية، إلى جانب مطالب المساواة. وقد جعل الاعتراض على قانون القومية الفجوة بين أداء الواجبات والاعتراف بالحقوق قضية بارزة في النقاش العام الدرزي، من دون أن يحوّل أبناء الطائفة إلى كتلة انتخابية موحدة. وتبقى الأرض والتخطيط والسكن وتطوير البلدات قضايا مزمنة في هذه العلاقة. وتتفاوت أولويتها بين الناخبين الدروز، الذين تتوزع خياراتهم على أحزاب واتجاهات مختلفة. ولذلك، لا تختصر الخدمة العسكرية مطالبهم، فاختبار المواطنة يجري أيضاً في فرص العمل والتعليم، وإمكان بناء منزل، والحصول على خدمات متكافئة. أصوات للتغيير... وشركاء مستبعدون تلتقي هذه المطالب عند معضلة تشكيل الحكومة. الاستطلاعات قد تمنح الأحزاب المناهضة لنتنياهو تقدماً إجمالياً، لكن جمع مقاعدها لا يجعلها ائتلافاً جاهزاً. ويزيد رفض أبرز قادة المعارضة التحالف مع الأحزاب العربية صعوبة الوصول إلى أغلبية، ويكشف الفارق بين الرغبة في إسقاط الحكومة والاستعداد لبناء شراكة بديلة. هنا يواجه خطاب التغيير امتحانه: هل تشمل استعادة الدولة الاعتراف بحق جميع مواطنيها ف