في خطوة تهدف إلى حماية الذاكرة اللبنانية من الضياع، أطلقت وزارة الثقافة منصة رقمية جديدة بعنوان "أرشفة تراث لبنان"، في وقت حذّر فيه وزير الثقافة غسان سلامة من أن حجم الأضرار التي لحقت بالتراث اللبناني جراء الحرب الأخيرة يتجاوز ملايين الدولارات، وقد يحتاج ترميمه إلى جيل كامل. وأُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت، بهدف إنشاء أرشيف رقمي شامل للتراث اللبناني، يضم الصور العائلية، والوثائق، والرسائل، ومقاطع الفيديو، والمقابلات، والأغنيات القديمة، وسائر المواد التي تشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية للبنان. ويأتي المشروع ثمرة تعاون بين وزارة الثقافة والمعهد الدولي للتراث وجهات دولية أخرى، وهو مفتوح أمام مساهمات اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وكل من يملك مواد أو شهادات مرتبطة بتاريخ لبنان. وفي حديث إلى "الشرق الأوسط"، قال سلامة إن الحرب الأخيرة ألحقت أضراراً واسعة بالتراث المادي وغير المادي، وطالت مواقع أثرية وأسواقاً تاريخية، مضيفاً: "لا يمكنني حصر هذه الخسائر برقم معين، إذ إنها تتجاوز بالتأكيد ملايين الدولارات، وقد يستغرق ترميمها جيلاً كاملاً". واعتبر أن ما حصل يشكل "سرقة للتاريخ الحميم"، مشدداً على أن قيمة هذا التاريخ لا يمكن تقديرها بالمال. ولفت سلامة إلى أن جزءاً أساسياً من التراث اللبناني لا يوجد في المؤسسات الرسمية، بل في منازل المواطنين والعائلات، موضحاً أن التحضير لمعرض "بين سطور الدستور"، في مئوية الدستور اللبناني، كشف وجود وثائق بالغة الأهمية يحتفظ بها أفراد منذ عقود. وقال إن هذه المواد تشكل "كنوزاً مخبأة في البيوت"، وقد تكون أهم من بعض المجموعات الرسمية. وأوضح أن الوزارة لا تطلب من أصحاب الوثائق تسليم النسخ الأصلية، بل تكتفي بنسخ رقمية، فيما يمكن لمن يرغب أن يودع الأصل في المكتبة الوطنية. وأكد أن حقوق الملكية الفكرية تبقى محفوظة بالكامل لصاحب المادة، مع إمكانية سحبها من المنصة في أي وقت، كما يحق للمتبرع تحديد مستوى السرية وما إذا كانت المواد متاحة للعموم أو محفوظة ضمن أرشيف خاص. بدوره، قال رئيس هيئة التراث العالمي سيرجيو إيوفينو إن المبادرة تفتح الباب أمام بناء "حصن رقمي" لذاكرة لبنان، ليس فقط للمقيمين، بل أيضاً لملايين اللبنانيين المنتشرين في العالم وأصدقاء لبنان. أما المدير العام للآثار سركيس خوري، فشدد على أن خسارة أجزاء من التراث لا تعني نهاية القصة، قائلاً إن اللبنانيين "يصنعون تراثهم باستمرار"، وإن الذكريات الشخصية والعائلية تساهم في إنقاذ ما تبقى. من جهته، أكد السفير الإيطالي في لبنان فابريزيو مارسيلي استمرار بلاده في دعم مشاريع ترميم التراث اللبناني، مشيراً إلى مساهمات إيطالية سابقة في ترميم متحف بيروت ومتاحف أخرى تضررت بانفجار المرفأ، إضافة إلى محطة القطار التاريخية في مار مخايل. واعتبر أن المشروع الجديد ينقل الاهتمام من "تاريخ المعالم والمؤسسات" إلى "تاريخ الأفراد والعائلات والمجتمعات"، بما يمنح الذاكرة اليومية والمصغرة مكانتها إلى جانب الأحداث الكبرى.