لم تعد الأزمة المعيشية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان مقتصرة على صعوبة تأمين الغذاء والدواء والتعليم، بل باتت تدفع بعض العائلات إلى التعلّق بأي معلومة قد تفتح أمامها باباً للخروج من واقعها الصعب، حتى إن كانت غير مؤكدة. ومع تداول معلومات عن برنامج بريطاني لإعادة توطين لاجئين فلسطينيين، بالتزامن مع توزيع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" خمسة كيلوغرامات من الطحين على اللاجئين، انتشرت شائعة تزعم وجود صلة بين التسجيل لتسلّم المساعدة الغذائية وإدراج الأسماء ضمن قوائم محتملة للهجرة. ودفعت هذه الشائعة عائلات كانت ترفض استلام الطحين، باعتباره مساعدة لا تتناسب مع حجم احتياجاتها، إلى تغيير موقفها والتسجيل أملاً في أن يفتح ذلك أمامها فرصة لمغادرة لبنان. غير أن حقوقيين وباحثين تحدثوا إلى بوابة اللاجئين الفلسطينيين، أكدوا عدم وجود أدلة تثبت أي علاقة بين توزيع الطحين وبرامج إعادة التوطين، محذرين من استغلال حاجة اللاجئين لجمع بياناتهم أو تقديم وعود غير موثوقة لهم. وتكشف القضية حجم الضغوط التي تواجهها العائلات الفلسطينية في لبنان، والتي بات بعض أفرادها يجدون أنفسهم أمام خيارات قاسية بين البقاء في المخيم والتمسك بحق العودة، والبحث عن حياة أكثر استقراراً وكرامة في ظل الفقر والبطالة والحرمان من حقوق أساسية. ما حقيقة برنامج إعادة التوطين البريطاني؟ وكانت وزارة الداخلية البريطانية، قد أعلنت في 28 أيلول/سبتمبر 2026، إعادة فتح برنامج إعادة التوطين البريطاني أمام إحالات جديدة للاجئين، على أن يكون نحو ربع الإحالات المتوقعة من اللاجئين الفلسطينيين والنساء والفتيات الأفغانيات. وبحسب منظمة "مشروع المساعدة الدولية للاجئين (IRAP)"، يتيح البرنامج النظر في إعادة توطين عدد محدود جداً من الفلسطينيين المقيمين في لبنان والأردن، ممن يواجهون ظروفاً إنسانية شديدة الصعوبة، وتعد إعادة توطينهم خياراً أخيراً في ظل تعذر عودتهم. وتُحال الحالات المحتملة إلى المنظمة عبر جهات إنسانية عاملة في البلدين، قبل إجراء مقابلات لتقييم أهليتها وإحالتها إلى الحكومة البريطانية التي تتخذ القرار النهائي، بعد إخضاع الملفات لإجراءات من بينها التحقق الأمني. ولا يتيح البرنامج التقديم المباشر أو التسجيل عبر الإنترنت، كما لا تضمن إحالة الملف قبوله. ولا توجد معلومات رسمية أو أدلة منشورة تربط التسجيل للحصول على الطحين من "أونروا" بالبرنامج البريطاني، أو تشير إلى إدراج المستفيدين من المساعدة الغذائية تلقائياً ضمن قوائم إعادة التوطين. "خمسة كيلوغرامات لا تكفي عائلة من عشرة أفراد" وقال اللاجئ الفلسطيني إبراهيم عبد القادر لبوابة اللاجئين الفلسطينيين إنه لم يكن يرغب في تسلّم الطحين، معتبراً أن الكمية التي قدمتها "أونروا" لا ترقى إلى احتياجات اللاجئين ولا تتناسب مع حقوقهم لدى الوكالة. وأوضح أن خمسة كيلوغرامات من الطحين "لا تقدم ولا تؤخر" في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ولا تكفي عائلة مكونة من عشرة أفراد، معتبراً أن اختزال معاناة الفلسطينيين في مساعدة محدودة كهذه يمثل إهانة لهم. لكن المعلومات التي جرى تداولها بشأن احتمال ارتباط التسجيل بمشروع للهجرة دفعت عائلته إلى تغيير موقفها، وقال: "بعدما سمعت إن اللي بيسجل اسمه ممكن يندرج ضمن قوائم الهجرة من خلال المشروع البريطاني، أجبرت زوجتي، اللي كانت رافضة فكرة استلام الطحين، إنها تروح وتسجل." ورغم تأكيده تمسكه بالمخيم وحق العودة، أشار عبد القادر إلى أن الأوضاع المعيشية تضغط بشدة على العائلات الفلسطينية، في ظل انتشار البطالة بين الشباب وعدم كفاية الأجور لتغطية الاحتياجات الأساسية حتى بالنسبة إلى العاملين. وأضاف: "أنا بحب المخيم ومتمسك بحقنا بالعودة، لكن الله بيعلم بظروفنا وكيف عايشين. البطالة منتشرة بين شبابنا، وحتى اللي عم يشتغل ما عم يلحق بظل الغلاء الفاحش، والعالم كلها مديونة للدكاكين والصيدليات." وأوضح أنه قرر التسجيل أملاً في صحة المعلومات المتداولة، وفي أن يتمكن من الانتقال مع عائلته إلى بلد يوفر لهم الحقوق وفرص العمل وإمكانية بناء مستقبل أفضل لأطفاله. وأكد أن عائلته ليست الوحيدة التي اتخذت هذا القرار، إذ توجه أشخاص آخرون كانوا يرفضون استلام الطحين إلى التسجيل، مدفوعين بالأمل في أن يكون ذلك مدخلاً إلى فرصة للهجرة. من جهتها، قالت محاسن، وهي معلمة في إحدى المدارس، إنها لم تكن ترغب في استلام الطحين، لعدم تناسب المساعدة مع احتياجات عائلتها، لكنها قررت التسجيل بعد سماع المعلومات المتداولة، أملاً في أن تشكل فرصة لإنقاذ أطفالها من الظروف الصعبة. وأضافت: "فكرت إني مش خسرانة شي، لكن فكرة استلام الطحين ما كنت متقبلتها، وما بقبل بهالذل. حسيت إن أونروا عم تضحك علينا وعم تستغل أوضاع شعبنا." ورأت أن احتياجات اللاجئين تتجاوز ال