كشف تقرير وزارة الخارجية الأميركية لعام 2026 عن الاتجار بالبشر في لبنان عن استمرار استغلال عاملات المنازل المهاجرات واللاجئين السوريين، مع تسجيل حالات تجنيد عبر عروض عمل وهمية، وسلب حرية الحركة، وإجبار بعض المهاجرين على العمل في أنشطة غير مشروعة. ورغم أن التقرير أشار إلى مخاطر متزايدة تطاول الأطفال السوريين في التسوّل والعمل القسري، فقد عرض أيضاً أنماطاً أخرى من الاستغلال، أبرزها إخضاع عاملات المنازل لظروف قسرية، واستدراج مهاجرين بوعود كاذبة، واستغلال حاجتهم إلى تسوية أوضاعهم القانونية. عاملات المنازل بين حجز الجوازات وحجب الأجور بحسب التقرير، يستقدم أصحاب العمل ومكاتب التوظيف عاملات من جنوب آسيا وجنوب شرقها، إضافة إلى أعداد متزايدة من دول شرق إفريقيا وغربها، للعمل في المنازل. إلا أن بعضهن يتعرضن بعد وصولهن إلى لبنان لحجز جوازات سفرهن، أو حرمانهن من أجورهن، وإجبارهن على العمل لساعات طويلة من دون أيام راحة، مع تقييد حركتهن وتعريضهن أحياناً لإساءات جسدية أو جنسية. ويشير التقرير إلى أن مكاتب التوظيف تواصل استقدام عاملات، خصوصاً من نيجيريا والفيليبين وإثيوبيا، فيما يتذرع بعض أصحاب العمل بأوضاعهم الاقتصادية للتخلّص من مسؤولياتهم أو ترك العاملات من دون حماية. ويقول إن حجز الجوازات، رغم كونه من مؤشرات الاتجار بالبشر، لا يواجه بقانون يجرّم هذه الممارسة أو يعاقب عليها في لبنان. كما رصد التقرير أساليب احتيال تستهدف المهاجرين عبر مجموعات «واتساب» وصفحات «فايسبوك»، من خلال عروض عمل وهمية أو وعود بالمساعدة على إعادة التوطين، تصل أحياناً إلى انتحال صفة إجراءات المنظمات الدولية. وفي بعض الحالات، يُستدرج مهاجرون إلى أعمال منزلية، ثم تُقيّد حركتهم ويُجبرون على توضيب المخدرات، ضمن شبكات تجمع بين الاتجار بالبشر والتهريب. استغلال الحاجة إلى الإقامة والعمل وتُفاقم هشاشة المهاجرين، بحسب التقرير، محاولات بعض الوسطاء استغلال رغبتهم في تسوية أوضاعهم القانونية، عبر مطالبتهم بالمال أو الوثائق. كما يساهم نظام التأشيرات المرتبط بصاحب العمل في جعل العامل أكثر اعتماداً على الجهة التي تستقدمه، ويعقّد قدرة السلطات على رصد حالات الاستغلال وحماية الضحايا. وتحدث التقرير عن ارتفاع مخاطر الاستغلال الجنسي أيضاً، مشيراً إلى أن الأزمة الاقتصادية دفعت بعض المهاجرات ومواطنين لبنانيين إلى العمل في الجنس التجاري، ما يزيد تعرضهم للاتجار والاستغلال. كما تبقى النساء والفتيات السوريات عرضة للاستدراج بوعود عمل كاذبة، قبل إخضاعهن للعنف والاستغلال الجنسي والإجهاض القسري. أطفال سوريون في العمل والتسوّل وفي ما يتعلق باللاجئين السوريين، قدّر التقرير عددهم في لبنان بنحو 900 ألف، وقال إن القيود على عملهم القانوني وتطبيق قوانين الإقامة تجعلانهم أكثر عرضة للاتجار. وأشار إلى تزايد حالات العمل القسري بين الأطفال السوريين، خصوصاً في الزراعة والبناء والبيع في الشوارع والتسوّل القسري. ورصد التقرير شهادات عن أطفال يعملون مقابل تأمين السكن في مخيمات غير رسمية، وعن شبكات تستغل حاجة العائلات إلى الطعام والمأوى أو إلى تأمين المرور من لبنان وإليه، فتُدخل البالغين والأطفال في أعمال قسرية أو ديون يصعب سدادها. كما ذكر أن بعض الأطفال يُكرهون على تنفيذ أنشطة إجرامية، فيما تتعرض فتيات ونساء للاستغلال الجنسي أو الزواج المبكر تحت ضغط الفقر. على مستوى الملاحقات، أفادت الحكومة اللبنانية بأنها حققت في 6 قضايا اتجار بالبشر، ولاحقت 14 مشتبهاً بهم، وأدانت 13 متاجراً خلال عام 2025، مقارنةً بـ3 تحقيقات و73 ملاحقة من دون إدانات في عام 2024. وشملت الإدانات 12 متاجراً بالاستغلال الجنسي، وشخصاً واحداً في قضية عمل قسري، فيما بقيت 20 ملاحقة من سنوات سابقة قيد النظر. وسجّل التقرير خطوات حكومية، بينها اعتماد إجراءات موحّدة للتعرّف إلى الضحايا وإحالتهم، وزيادة عدد عناصر وحدة مكافحة الاتجار بالبشر في قوى الأمن الداخلي من 20 إلى 25، وتشديد شروط الترخيص والضمانات المالية على مكاتب الاستقدام، وإقفال 20 مكتباً خلال العام. لكنه أشار إلى أن الوحدة لا تزال محدودة العدد، وأن ضحايا بالغين يعتمدون بدرجة كبيرة على الجمعيات لتأمين المأوى والرعاية. وأبقى التقرير لبنان ضمن الفئة الثانية، معتبراً أن الحكومة أحرزت تقدماً في بعض المجالات، لكنها لا تزال تفتقر إلى خطة وطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، وإلى آلية حكومية مشتركة. كما انتقد استمرار التوقيف أو الترحيل في بعض الحالات، وعدم تجريم مصادرة جوازات العمال، معتبراً أن نظام التأشيرات المرتبط بصاحب العمل يترك المهاجرين واللاجئين عرضة لمزيد من الاستغلال.