أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-بيروت، تقييم حالة سلّط فيه الضوء على واقع المنظومة الانتخابية في لبنان والنتائج المترتبة على تطبيق القوانين المتعاقبة، خلص فيه إلى أن خطوات إصلاح قانون الانتخاب نجحت في إعادة توزيع المقاعد النيابية بين القوى المختلفة، لكنها عجزت عن إحداث تغيير جوهري في بنية السلطة السياسية القائمة. وأكّد التقرير أن الاستحقاقين الانتخابيين لعامي 2018 و2022 جاءا دون مستوى التطلعات والآمال الكبيرة التي عُقدت عليهما، على الرغم من التحول التاريخي من النظام الأكثري إلى النظام النسبي بموجب القانون 44 الصادر عام 2017. وجاء التقييم الجديد تحت عنوان "حين تتغير قواعد اللعبة ولا تتغير السلطة: لماذا لم تغيّر الانتخابات اللبنانية بنية النظام السياسي؟"، موضحًا أن تشريع القوانين الانتخابية يُعدّ من أكثر الأدوات التشريعية والسياسية تأثيرًا في صوغ المشهد العام لأي دولة. بيد أن الدراسات أثبتت عدم وجود "نظام انتخابي أمثل" صالح للتطبيق لكل مكان وزمان؛ فالنصوص القانونية لا تكفي وحدها لتقييم جدوى النظام الانتخابي؛ وما يحقق نجاحًا وتداولًا سلسًا للسلطة في مجتمع أو حقبة زمنية معينة، قد لا يؤدي إلا إلى نتائج عكسية أو جامدة في بلد آخر أو في بيئة مختلفة. ويعود ذلك إلى أن العملية الانتخابية لا تُجرَى في فراغ، بل تتشابك بصورة وثيقة مع منظومة المركّبات القيمية، العادات والتقاليد، وأنماط الحياة الاجتماعية السائدة. هذا وتوقّف تقييم المركز العربي بيروت عند المسار التاريخي للإصلاح الانتخابي في لبنان، مشيرًا إلى أنه كان دائمًا جزءًا لا يتجزأ من ملف الإصلاح السياسي الشامل، فتطرق إلى الحقبة المفصلية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، حين تبنّت قوى أساسية مثل «الحركة الوطنية» و«الجبهة اللبنانية» مشاريع إصلاحية متقدمة، تشتمل على رؤية جذرية تتلخّص في إلغاء الطائفية السياسية، وجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، واعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل، وخفض سن الاقتراع إلى 18 عامًا، وتأمين مراكز اقتراع رئيسية في أماكن السكن، وإنشاء لجنة قضائية مستقلة تتولى الإشراف على الانتخابات والنظر في الطعون. غير أنه أشار إلى أن معظم هذه المطالب الإصلاحية الجوهرية، ظلت حبرًا على ورق ومجرد مطالب معطلة على الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على طرحها. فجوة عميقة بين النص القانوني والواقع السياسي وأوضح التقييم أن التشريع اللبناني عرف بين عامي 1922 و2017 أحد عشر قانونًا انتخابيًّا اعتمدت جَميعها النظام الأكثري، إلى أن أُقرّ القانون 44/2017 الذي أدخل النظام النسبي مقترنًا بآلية "الصوت التفضيلي". غير أن التطبيق العملي في دورتي 2018 و2022 أثبت وجود فجوة عميقة بين النص القانوني والواقع السياسي. وعدّد المركز العربي في تقييمه جملة من العوامل التي أفرغت الإصلاح من مضمونه، منها: الصوت التفضيلي، الذي حوّل التنافس السياسي بين اللوائح إلى معارك كسر عظم داخل اللائحة المغلقة الواحدة بين أعضائها وحلفائها المفترضين؛ ترسيم الدوائر (15 دائرة)، حيث تراوح التوزيع بين دائرة تضم قضاءً واحدًا وأخرى تضم أربعة أقضية، وهو ما عدّه التقييم استمرارًا صريحًا لمنطق «الجيريماندرينغ» (تأصيل التقسيمات الديموغرافية والسياسية لضمان فوز نخب القوى النافذة وممثليها). علاوة على ذلك، رصد التقييم التعديات الواسعة في مجالات الإعلام والإنفاق الانتخابيين، وتردد هيئة الإشراف على الانتخابات عن اتخاذ قرارات حازمة ورادعة، فضلًا عن الخلط الدارج في القانون اللبناني بين العتبة والحاصل الانتخابيين، الذي تحوّل معه الحاصل إلى "عتبة إقصائية" حرمت القوى والكتل الناشئة من التمثيل، مستشهدًا بالتفاوت الرقمي الحاد في انتخابات عام 2022، إضافة إلى غياب المساواة في القيمة التمثيلية، حيث أشار، على سبيل المثال، إلى أن الناخب في دائرة "صيدا-جزين" يصوت لخمسة مقاعد، بينما يصوت الناخب في دائرة "الشوف-عاليه" لـ 13 مقعدًا، ما ضرب مبدأ المساواة المكفول في المادة 7 من الدستور اللبناني. أما في ما يخص "قوى التغيير" التي ولدت من رحم حراك 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، فذكر التقييم أنها استفادت نظريًّا من القانون لتدخل البرلمان بـ 13 نائبًا (تقلصوا إلى 12 بعد طعون المجلس الدستوري)، لكنها ما لبثت أن تشرذمت إلى تكتلات صغيرة ومتنافسة نتيجة التناقضات الفكرية والسياسية، وبات بعضها يدور في فلك الأحزاب التقليدية. علاوة على ذلك، قارب التقييم بالتحليل البيئة السياسية الحاكمة للعملية الانتخابية، مؤكدًا أن النظام اللبناني يعتمد تاريخيًّا على "الديمقراطية التوافقية" القائمة على الائتلاف الحاكم، والفيتو المتبادل، والنسبية الطائفية. فقد كرّس اتفاق الطائف هذه المعادلة، خصوصًا في الفقرة "ي" من مقدمة الدستور التي تنص على عدم شرعية أي سلطة تناقض ميثاق العيش