جدّد البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، طرح موضوع "الحياد الفاعل" في عظته في 12 تموز/ يوليو 2026، على اعتبار أنّ هذا الحياد يبقى ضمانةً لرسالته التاريخية. بالحياد الفاعل ينجو لبنان من أثقال الصراعات والمحاور التي استنزفته، ويعود جسراً للّقاء لا ساحةً للمواجهة، ومنبراً للحوار لا ساحة للنزاعات. فالحياد الفاعل ليس تخلّياً عن القضايا المحقّة، ولا انكفاء عن محيطه، بل هو حماية لاستقلاله، وصون لوحدته، وتمكين له ليؤدّي رسالته في التقريب بين الشعوب وخدمة السلام. ويعمل البطريرك على تقديم هذا الطرح المتقدّم تحت مسمّى "الحياد الفاعل"، من أجل ملاقاة الأحزاب اللبنانية التي ترفض الحيادية في محيط يشهد على صراعات تدفع الدول إلى إعادة التموضع. والموقف السياسي الذي يدعو إليه الراعي لا يعني الانسحاب من القضايا أو الامتناع عن اتخاذ المواقف بشأنها، بل الاستقلال السياسي عن الاصطفاف الخارجي، مع ممارسة الدولة دوراً فاعلاً في حماية مصالحها الوطنية. دعوته هذه ليست يتيمةً؛ فهناك أفرقاء في الداخل يتوافقون على طرحه الموضوع، إلا أنّ المعضلة تكمن في مدى جدّية الآخر المختلف في طروحاته بشأن الانفتاح والحوار على موضوع "تحييد" لبنان، وهل يوافق الخارج الفاعل الذي ينظر إلى لبنان على أنه ورقة تسويات تخدم مشروعه في المنطقة؟ لم يعرف تاريخ لبنان الحديث أي نوع من الحياد بأشكاله كافة. كتب الصحافي اللبناني جورج نقاش، عام 1949: "سالبتان لا تصنعان أمّةً". عبارة دفع ثمنها السجن، لأنها خرجت من سياق النقد السياسي لتوضح في دلالاتها أبعاداً تحاكي هشاشة النظام اللبناني الذي لا يولّد إلا الأزمات منذ إعلان الجنرال الفرنسي، هنري غورو، عام 1920 من قصر الصنوبر، قيام لبنان الكبير، واللبناني يعيش حالتين؛ الأولى انقسامية، وتمثّلت يومها فيمن يريد الانتماء في الحضن الفرنسي، والآخر الذي يريد البقاء ضمن الحاضنة العربية. الثانية، هي حالة تبعية يشرع فيها أفرقاء من الداخل اللبناني على الإعلاء من شأن مصالح دول خارجية على حساب مصالح الوطن، وهذا ما يزيد من تعقيدات المشهد السياسي في لبنان. كتب الصحافي اللبناني جورج نقاش، عام 1949: "سالبتان لا تصنعان أمّةً". عبارة دفع ثمنها السجن، لأنها خرجت من سياق النقد السياسي لتوضح في دلالاتها أبعاداً تحاكي هشاشة النظام اللبناني الذي لا يولّد إلا الأزمات. لهذا كانت ثورة العام 1958، وبعدها الحرب الأهلية عام 1975، ثمّ اتفاق الدوحة عام 2008 عندما عجز النظام في لبنان عن إنتاج رئيس للجمهورية، وصولاً إلى قرار حزب الله اللبناني إسناد حماس عام 2023، وبعدها إسناد إيران عام 2026، الأمر الذي رفع من منسوب تبنّي السلطة اللبنانية موضوع الحياد. ربط حزب الله في إسنادَيه (إسناد غزة ثم إسناد إيران)، الجبهة اللبنانية بمحور تمتدّ جذوره إلى طهران التي بنت منذ تصدير ثورتها عام 1981 محورها في أكثر من بلد عربي. لم تكتفِ قيادة الحزب بالربط العسكري بإيران، وذهبت بعيداً في تشكيل قوة إعلامية ونيابية وشعبية ركّزت على التسويق لفكرة ربط لبنان باتفاق إسلام أباد الذي وُقّع في 17 حزيران/ يونيو الماضي، بين إيران والولايات المتحدة، والذي تضمّن في بنوده الـ14 وقف الأعمال العدائية الإسرائيلية على الجبهات كافة، وتحديداً لبنان. أخذت السلطة في لبنان قرار فصل الملف اللبناني عن ملفات المنطقة، فسارع الرئيس جوزاف عون إلى إعلان موافقته على مبدأ التفاوض المباشر مع الجانب الإسرائيلي، وكان "اتفاق الإطار". رأى عون أنّ أخذ السلطة مبادرة التفاوض يبعدها عن أن تكون ضمن الملف التفاوضي الإيراني، ويرفع من مصلحة البلاد فوق المصالح الأخرى كافة. دخل لبنان حالةً من الانقسام الداخلي وسط إقليم يشتعل وتزداد محاوره. ثم أتى اتفاق مكة ليطرح إشكالية تحديد الوجهة الدبلوماسية للبنان الرسمي الذي لم يتأخّر مسؤولوه في إدانة الضربات الحوثية داخل المملكة، في حين تؤيّد الوجهة غير الرسمية المتمثلة في الحزب عمليات الحوثي. في المنطقة اليوم أكثر من جبهة مشتعلة، بينما دائرة التمدّد الإسرائيلي للخط الأصفر في جنوب لبنان مستمرة في التوسع، عبر اعتداءاتها التدميرية القائمة في منطقة دعا وزير المالية الإسرائيلية، بتسلئيل سموتريتش، الإثنين 5 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، إلى فرض "السيادة" الإسرائيلية عليها بشكل دائم. لا يبدو أنّ الاسرائيلي لديه رغبة في الانسحاب من الأراضي التي احتلها. كما أنّ ما قاله الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، الثلاثاء 6 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بأنّ "المقاومة مستمرة ولسنا معنيّين بنتائج تفاوض السلطة"، طالما أنّ لبنان "يتعرّض لعدوان مستمر، وتقديم أي تنازلات لن يؤدي إلى انسحاب إسرائيل"، دلالة إضافية على طرح موضوع الحياد من قبل السلطة الذي يعترضه رفض مباشر من قبل حزب الله الذي يصرّ على ربط لبنان بمحور ط