قد نختلف في طريقة إعداد القهوة، وفي مقدار ما نضيفه إليها من سكر أو هال، لكنّنا نلتقي عند المكانة التي نمنحها لها. فللقهوة في وجداننا العربي منزلة لا تُقاس بمذاقها. فيها من دفء البيوت ما لا تمنحه المواقد، ومن أُنس اللقاءات ما يبقى بعد انفضاضها. تحضر في أفراحنا وأحزاننا، وترافق أحاديثنا وصمتنا، وتعرف من أسرار المجالس ما لا تحفظه الكتب. كأنّ للقهوة نصيباً من أعمارنا، نودعها من الذكريات أكثر ممّا نضع فيها من ماءٍ وبنّ. وللفنجان الذي يحملها سيرة تستحقّ أن تُروى. فما أكثر ما حملته تلك الأواني الصغيرة من حكايات، وما أقلّ ما التفتنا إلى حكايتها هي. على خزفها تفتّحت زهور، وتشابكت أغصان، وتعاقبت ألوان وأشكال سافرت بين المدن والبلدان، تحمل أثر صنّاعها وأذواق الشعوب التي مرّت بها. ومنها ما جاء من وراء البحار غريباً، ثم طال به المقام في بيوتنا حتى حسبناه من ميراثنا. فنجان القهوة في سوريا... زهور الخزف في بيوت دمشق في البيوت الدمشقية القديمة، كانت للأواني المزخرفة مكانة تتجاوز استعمالها اليومي. فقد دخلت قطع الخزف الملوّن إلى غرف الاستقبال، واستقرّت على الرفوف وفي تجاويف الجدران، شاهدةً على ذائقة فنية تأثّرت بما وصل إلى المدينة من صناعات وأساليب زخرفية. فنجان قهوة من الخزف السوري المعاصر، يستعيد الزخارف النباتية والهندسية لفنّ القيشاني الدمشقي بألوانه التقليدية. (نقشات) ويحتفظ متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك بفنجان وصحن يعودان إلى القرن الثامن عشر، يُنسب صنعهما إلى مدينة كوتاهيا العثمانية، من الأنواع التي كانت تُعرض في غرف استقبال المنازل السورية الميسورة خلال تلك الحقبة.وكانت كوتاهيا، إلى جانب إزنيق، من أبرز مراكز صناعة الخزف في الأناضول، حيث ازدهرت الزخارف النباتية ورسوم الأزهار، في ظلّ تأثيرات امتدّت من الخزف الصيني إلى الفنون العثمانية. ومن خلال هذه القطع، يمكن قراءة فصل من تاريخ التجارة والتبادل الفني بين المدن. فالزهور التي تزيّنت بها الأواني لم تكن دائماً من ابتكار المكان الذي استقبلها، غير أنّها دخلت في ذائقته مع الزمن، وأصبحت جزءاً من المشهد المنزلي والاجتماعي. فنجان القهوة في فلسطين... حين يحتفظ الأزرق بأثر اليد في الخليل، تتّخذ حكاية الخزف وجهاً آخر، عنوانه الحرفة التي قاومت تبدّل الأزمنة.هناك، يتجلّى الأزرق الكوبالتي والفيروزي في زخارف تتداخل فيها الأزهار والأغصان والأشكال الهندسية، على الصحون والأكواب والفناجين والبلاط. ألوان ارتبطت بصناعة عريقة، ظلّت فيها مهارة اليد ركناً أساسياً من هوية القطعة. فنجان خزفي فلسطيني بزخارف زهرية زرقاء. (Hebron Ceramics / Masala Bazaar) السعودية... زخارف الجدران تجد طريقها إلى فنجان القهوة في السعودية، يحتفظ الفنجان الصغير بمكانته في المجالس، سواء جاء أبيض بسيطاً، أو زيّنته خطوط ذهبية ونقوش مستوحاة من الفنون المحلية. ومن النماذج اللافتة في التصميم المعاصر استعادة فنّ "القطّ العسيري"، الذي نشأ في منطقة عسير جنوب المملكة، واشتهرت النساء بممارسته لتزيين الجدران الداخلية للمنازل. وقد أدرجت اليونسكو "القطّ العسيري" على قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2017، اعترافاً بقيمته الفنية والاجتماعية. فنجان معاصر بزخارف هندسية مستوحاة من تراث عسير. (السيف) الإمارات... للفنجان آداب تتوارثها المجالس أمّا في الإمارات، فتكتمل حكاية الفنجان بما يرافقه من طقوس، إذ تتجاوز قيمته الزخارف التي قد تزيّنه، لتشمل طريقة تقديمه وما تحمله من دلالات اجتماعية. تتنوّع الفناجين بين الأبيض البسيط والتصاميم المذهّبة والمزخرفة، فيما تحتفظ الدلّة بمكانتها في المجالس الإماراتية. ويُقدَّم مقدار صغير من القهوة في الفنجان، وفق آداب تراعي الضيف ومكانته، بينما تشكّل هزّة الفنجان إشارة مألوفة إلى الاكتفاء. فناجين قهوة خزفية تستوحي زخارفها الهندسية من حرفتَي التلّي والسفيفة الإماراتيتين، في تصميم يجمع التراث بالفن المعاصر. (Designedbyhind) وفي أبوظبي، تسعى مبادرة "بيت القهوة" إلى صون هذه الممارسات، من تحميص البن وطحنه إلى إعداده وتقديمه، بما يحفظ المعرفة المتوارثة وآداب المجلس. فنجان القهوة في لبنان... الزهرة التي ألفتها البيوت في لبنان، تحضر زهرة صغيرة يعرفها كثيرون، حتى لو لم يعرفوا أصلها أو اسمها.على فنجان أبيض بلا مقبض، تتوزّع أوراق خضراء وزرقاء ورسوم زهرية حمراء، تعلوها أحياناً حافة ذهبية رفيعة. إنّه "فنجان الشفّة"، الذي رافق صباحات البيوت، وصواني الضيافة، وجلسات الجيران والعائلات، حتى غدا من التفاصيل التي يصعب فصلها عن الذاكرة المنزلية. لم يكن فنجاناً فاخراً، ولا قطعة نادرة تُحفظ بعيداً من متناول الأيدي. ولعلّ في شيوعه سرّ حضوره. فقد عرفته أجيال متعاقبة، وأصبح شكله جزءاً مألوفاً من الثقافة البصرية ا