في بلد يصدّر الغذاء إلى أنحاء العالم، يصبح سعر قطعة اللحم سؤالاً انتخابياً. هذا ما ظهر في المناظرة بين الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه السناتور فلافيو بولسونارو الأحد: لا يحسم تحسن التوظيف الجدل حول تكلفة الطعام، ولا يضمن أن تشعر الأسر بالارتياح حين تذهب إلى السوق. تتجه البرازيل، أكبر اقتصاد في أميركا الجنوبية، إلى جولة الإعادة الرئاسية في 25 تشرين الأول/أكتوبر. لكن الأسئلة التي تحيط باقتراعها تتردد خارج حدودها: كيف تخفض الحكومات الأسعار وتوسع فرص العمل، وتضبط الدين في الوقت نفسه؟ وكيف تستفيد من صادرات النفط والمعادن والمحاصيل من دون أن تبقى رهينة تقلباتها؟ لا تعيش القارة أجواء انتخابات متزامنة. انتخبت البيرو وكولومبيا رئيسيهما هذا العام، وأجرت تشيلي وبوليفيا والإكوادور انتخاباتها في عام 2025، بينما ينتظر الأرجنتين استحقاق رئاسي في عام 2027. ولذلك تتوزع الاقتصادات بين مرحلة الوعود الانتخابية ومرحلة اختبار تنفيذها. بالنسبة إلى العالم العربي، تتجاوز أهمية المشهد معرفة من يفوز. يرتبط استقرار هذه الاقتصادات وسياساتها التجارية والاستثمارية بإمدادات الغذاء والأسمدة، ومشاريع الموانئ والطاقة، وفرص توسيع الشراكات. نمو متواضع وفوارق واسعة بين الاقتصادات تشير توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في تشرين الأول إلى أن اقتصاد أميركا الجنوبية ككل نما بنسبة 2.1% في عام 2026، وسينمو بواقع 2.4% في عام 2027. لكن المعدلين يخفيان تفاوتاً كبيراً بين البلدان: نمو متوقع عند 4.5% في باراغواي و3% في البيرو و2.7% في الإكوادور، في مقابل 0.6% في تشيلي وانكماش بنسبة 3% في بوليفيا. لهذا، يصعب وصف المنطقة بأنها تعيش أزمة واحدة. قد تحصل دولة مصدرة للنفط على إيرادات أعلى عند صعود الأسعار، بينما تدفع أخرى فاتورة أكبر لاستيراد الوقود. وقد تنتعش صادرات التعدين، فيما تبقى الشركات الصغيرة تحت ضغط التمويل وتكاليف التشغيل. حتى داخل البلد الواحد، تتباين التجارب. فزيادة الصادرات لا تعني بالضرورة تحسن دخل الأسر كلها، والنمو في قطاع يتطلب رأس مال كثيف لا يولد دائماً وظائف بالقدر الذي ينتظره الداخلون الجدد إلى سوق العمل. وتقدم غيانا حالة مختلفة عن الاقتصادات الأكبر، إذ يؤكد أحدث تقرير لصندوق النقد استمرار توسع سريع تدعمه زيادة إنتاج النفط ونمو الأنشطة غير النفطية. لكن طفرة كهذه تطرح بدورها أسئلة عن استثمار الإيرادات وتطوير الخدمات وتجنب الاعتماد المفرط على مورد واحد. البرازيل... بطالة أقل وديون أعلى تدخل البرازيل الاقتراع بمؤشرات تمنح الحكومة أسباباً للدفاع عن سجلها، وأخرى تتيح لمنافسيها التشكيك في استدامته. بلغ معدل البطالة 5.3% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في آب/أغسطس 2026، وفق أحدث النتائج الشهرية المتاحة من المعهد البرازيلي للجغرافيا والإحصاء. ويعني ذلك أن سوق العمل توفر للحكومة نقطة قوة، لكنه لا يجيب وحده عن أسئلة جودة الوظائف ومستوى الأجور والقدرة الشرائية. في المقابل، لا تزال تكلفة المال مرتفعة. خفّض المصرف المركزي معدل الفائدة الأساسي إلى 13.75% اعتباراً من 17 أيلول/سبتمبر، لكن المعدل لا يزال فلكياً. ويؤثر ذلك في أقساط ديون الأسر، وتمويل المخزون لدى التجار، وقرارات الشركات في شأن التوسع والتوظيف. أما الدين الإجمالي للحكومة فبلغ 82.9% من الناتج المحلي في آب، بحسب بيانات المصرف المركزي. ويشمل هذا المؤشر الحكومة الاتحادية والضمان الاجتماعي وحكومات الولايات والبلديات، ولا يقتصر على دين الحكومة الاتحادية. ومن هنا تأتي صعوبة ما بعد الانتخابات. يطرح المرشحان ضبط المالية العامة، لكن معالجة الالتزامات المتزايدة في الميزانية تحتاج إلى خيارات أكثر تفصيلاً من وعود خفض الهدر. وفي الوقت نفسه، تصعب سياسياً مطالبة الأسر بتحمل أعباء جديدة وهي تنتظر تحسناً في الخدمات والدخل. الاختبار إذاً هو بناء مسار يحد من تصاعد الدين، ويترك للحكومة قدرة على الاستثمار وحماية الفئات الأكثر تعرضاً إلى ضغوط المعيشة. الأرجنتين... امتحان استدامة الإصلاح في الأرجنتين، يتمحور النقاش حول موعد وصول الاستقرار الاقتصادي إلى حياة الناس، قبل الانتخابات الرئاسية المنتظرة في عام 2027. خفض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد في عام 2026 إلى 2.1%، في مقابل 3.5% في توقعاته الصادرة في تموز/يوليو. ويضيّق هذا التباطؤ مساحة التعافي في بلد لا تزال فيه الأسعار وسعر الصرف والاحتياطيات قضايا أساسية للأسر والشركات. وكان الصندوق قد أشار في مراجعته خلال أيار/مايو إلى تقدم في الاستقرار، بالتوازي مع استمرار ارتفاع معدل التضخم وهشاشة الاحتياطيات والحاجة إلى ترسيخ الوصول المستدام إلى التمويل. سياسياً، لا يكفي تحسن الحسابات العامة إذا بقي المستهلك يؤجل مشترياته أو خشي العامل فقدان دخله. لكن الع