"يا قومُ، وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فُعل ذلك على أيدي المثيرين... دعونا ندبّر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط... فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزّاء". لم تكن هذه الكلمات التي كتبها عبد الرحمن الكواكبي قبل أكثر من قرن مجرد دعوة أخلاقية إلى التسامح بين أبناء المجتمع الواحد، بل كانت محاولة مبكرة لمعرفة كيف يمكن للناس أن يعيشوا معاً في وطن واحد، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ومعتقداتهم، من دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى أداة للتمييز والإقصاء والصراع على السلطة. تزداد أهمية هذا السؤال حين ننظر إلى الحالة السورية، حيث لم تكن الطائفية مجرد خلاف اجتماعي بين جماعات دينية، بل أصبحت، على امتداد عقود، جزءاً من آليات الحكم والسيطرة، ثم تحولت، مع اندلاع الثورة وما تلاها من حرب وتدخلات خارجية، إلى أحد أكثر العوامل خطورة في تفكيك المجتمع. واليوم، بعد سقوط نظام الأسد، لا يكفي أن يتخلص السوريون من الاستبداد السياسي إذا بقيت علاقاتهم محكومة بالخوف المتبادل، وإذا استمر التعامل مع الانتماءات الطائفية بوصفها أساساً لتحديد الحقوق والواجبات وموقع الفرد في الدولة. كان الكواكبي يدرك أن الاستبداد لا يكتفي بإخضاع الناس بالقوة، بل يعمل أيضاً على تفريقهم وإشغالهم بصراعات تمنعهم من إدراك مصالحهم المشتركة. وحين تستند السلطة إلى الدين أو تستثمر في العصبيات، يصبح من السهل تحويل المواطنين إلى جماعات متناحرة، لكل منها مخاوفها وحساباتها، بدلاً من أن يكونوا أفراداً متساوين في الحقوق أمام القانون. لا يعود السؤال عندئذٍ كيف نبني دولة عادلة، بل أي جماعة ستسيطر على الدولة، وأي جماعة ستخضع لسطوتها. لقد خبر السوريون هذه المعادلة بأشكال مختلفة. فقد استخدم النظام السابق خطاب العلمانية حيناً، وورقة حماية الأقليات حيناً آخر، من دون أن يبني دولة مواطنة حقيقية. كانت المؤسسات الأمنية والعسكرية فوق المجتمع، وكان الولاء للسلطة، لا للقانون، هو الضمان الفعلي للنفوذ والحماية. ولم يؤدِّ توظيف التنوع السوري إلى صونه، بل أسهم في إخضاعه لحسابات النظام، الذي قدّم نفسه لبعض الفئات باعتباره الحامي الوحيد لها، فيما حرم السوريين جميعاً من حقهم في اختيار حكامهم ومحاسبتهم. لكن سقوط النظام لا يعني تلقائياً نهاية هذه البنية. فالخطر أن يُستبدل استبداد بآخر، أو أن تتحول المظلومية التي عاشها بعض السوريين إلى مبرر لإقصاء جماعات أخرى، أو أن يُعاد إنتاج العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس ديني أو طائفي مختلف. إن تغيير هوية من يحتكر السلطة لا يغيّر طبيعة النظام إذا بقيت الدولة ملكاً لفئة، وإذا ظل المواطن محتاجاً إلى حماية جماعته أو رضا أصحاب النفوذ كي يشعر بالأمان. ومن هنا، فإن ما يجري في سوريا اليوم يضعنا أمام اختبار يتجاوز شكل النظام السياسي أو هوية القائمين عليه. هل ستكون الدولة الجديدة لجميع السوريين، أم ستُعامل بعض المكونات باعتبارها موضع شك إلى أن تثبت ولاءها؟ هل سيُحاسَب الأفراد على أفعالهم وفق القانون، أم ستُحمَّل جماعات بأكملها مسؤولية ما ارتكبه بعض أبنائها؟ وهل ستُحمى حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، أم سيصبح الانتماء الديني معياراً ضمنياً للقبول السياسي والاجتماعي؟ لا يمكن بناء سوريا جديدة عبر تجاهل الجرائم التي ارتُكبت، ولا عبر مطالبة الضحايا بالنسيان أو التسامح القسري. فالعدالة الانتقالية ليست نقيضاً للمصالحة، بل شرط من شروطها. غير أن العدالة تعني أيضاً تحديد المسؤوليات الفردية، وجمع الأدلة، ومحاسبة المتورطين، وضمان حق الضحايا في معرفة الحقيقة وجبر الضرر. أما الانتقام الجماعي، أو التمييز على أساس الطائفة، فلا يعيد حقاً إلى صاحبه، بل يفتح الباب أمام مظالم جديدة، ويمنح المتطرفين من مختلف الأطراف الذريعة لمواصلة التحريض. وهنا تحديداً تبدو دعوة الكواكبي إلى تجاوز أحقاد الآباء والأجداد أكثر راهنية مما قد نتصور. فهو لا يطلب محو الذاكرة أو إنكار المظالم، وإنما يرفض أن تتحول تلك المظالم إلى قدر يفرض نفسه على الأجيال اللاحقة. لا يجوز أن يُحاسب سوري اليوم على جريمة لم يرتكبها، لمجرد أنه ينتمي إلى الطائفة التي ينتمي إليها مرتكبها، كما لا يجوز أن يُطلب من ضحية أن تتخلى عن حقها في العدالة باسم السلم الأهلي. المطلوب هو الفصل بين المحاسبة القانونية والثأر، وبين الذاكرة التي تساعد المجتمع على فهم ماضيه والذاكرة التي تُستخدم لإدامة العداوات. ولا يعني فصل الدين عن الدولة إقصاء الدين عن المجتمع، أو مصادرة حق المتدينين في التعبير عن قناعاتهم والمشاركة في الحياة العامة. فالدين جزء من حياة ملايين السوريين، ولا يمكن بناء دولة ديمقراطية بمحاولة إبعاده قسراً عن المجال الاجتماعي. المقصود هو أل