هل أمست مغادرة لبنان، ولو لأيام قليلة، من ضرورات تحمُّل أعباء العيش في الخواء والاختناق الزاحفين مع الموت في أرجائه؟ وبعد حلقة أولى في عنوان "مشاهد سياحية في باريس.. يالتعاسة الفرنسيين!"، وثانية عن مشاهد من نافذة قطار في سهول النورماندي.. في أثر الشاعر بسام حجار، وثالثة عن لقاءات قدامى (مناضلي) المسيرات الكبرى في مدينة آيغل الصغيرة، هنا حلقة رابعة وأخيرة. بعد ظهر نهار جمعة، وهو بداية عطلة نهاية الأسبوع، فيما شمس أواسط أيلول مبلّلة ببدايات الخريف، مشيتُ إلى جانب بيار في شوارع مدينة آيغل الصغيرة في النورماندي. وسرعان ما انتبهت إلى أن ناسها يعيشون في بطء واسترخاء، كأنما لديهم فائض من الوقت، ويسري بينهم تيار خافت من تعارف وإلفة محليين لا يعطّلان انتظام حياتهم اليومية العامة وتمحورها على الفرد والفردية. وهذا، على خلاف حال الحشود البشرية الضخمة والكثيفة، تلك التي يسري فيها تيار من الغُفْليّة، فيما هي تتدفق بوتائر سريعة في معظم شوارع باريس، على أرصفتها وفي وسائل النقل وعلى طرق المواصلات، كاتمة أو لاجمةً قلقها وتوترها، لتخوض "حربًا" صامتة ضد الوقت. والتنظيم الدقيق الصارم والنظام الفردي للحياة، هما ما يجرّد تلك الحرب من العنف، ويجعل مسرحها الذات الفردية. والأرجح أن "الحرب" التي تخوضها حشود الناس الغُفل الكثيفة ضد الوقت في شوارع باريس، هي ما تصرفهم وتمنعهم من الانتباه إلى أنهم يسيرون ويتنقلون ويعملون ويعيشون في متحف عمراني في الهواء الطلق. وهناك من يعلّل هذه الحال بقوة النظام المركزي الذي يهيمن على المخيّلة الاجتماعية والسياسية والإدارية في فرنسا الجمهورية ودولتها، منذ الثورة الفرنسية (1789). أما أنا الآتي من بلاد الهباء، بلاد المهانة والخوف والغضب وعنف الحروب الأهلية، المتراكمة والمتناسلة في حياة أهلها، علاقاتهم وعمرانهم، كأنها إرثهم المقيم، فتراءى لي أن العابرين في شوارع آيغل، المدينة الصغيرة، بل سكانها جميعًا، ضئيلو الحجم والحضور والشأن، كأنهم أطياف في مرآة عمران مدينتهم التاريخي والتراثي، المتحفي والصرحي الضخم والمتقادم. وقد تهيأ لي أيضًا أن ضآلتهم وطيفيّتهم هاتين ناجمتين عن قطيعة تاريخية حاسمة بينهم وبين هذا العمران وصروحه الأثرية التي يسكنونها ويعيشون فيها ويشاهدونها مستمتعين بانفصالهم عنها انفصالًا تامًا، كأنها ديكور لحياتهم السياحية فيها، أو كأن حضورهم في شوارعها وأماكنها العامة طيفيّ وسينمائي في مشاهد فيلم وثائقي عن مدينتهم التي يعود عمرانها إلى القرون الوسطى. لكن بيار، بحسّه وسلوكه العمليين، بأريحيته وخفته في نسج العلاقات وتبادل الكلام في لقاءات عابرة، أخرجني وأخرج العابرين في شوارع المدينة الصغيرة المحلية الهادئة من طيفيتهم ومن صور الفيلم الوثائقي ومشاهده: ها هو يحيّي هذا أو ذاك من العابرين، ثم يتوقف لمحادثة بعضهم محادثةً عابرة. وفي مقهيين أو ثلاثة أمضينا فيها بعضًا من وقت السهرة ومن صبيحة النهار التالي، بدا على معرفة وإلفة مع العاملين فيها وأصحابها، وبادلهم كلمات تستكمل أحاديث سابقة معهم. وهو جالَسَ وحادَثَ لوقت قصير بعضًا من جُلّاس هذه المقاهي... وراح يضحك حين قلتُ له: متى ستترشّح إلى عضوية البلدية أو إلى رئاستها يا بيار؟ كم هي مؤنسة هذه الحياة البطيئة الخالية من التكلُّف في مدن محلية صغيرة تسري بين سكانها إلفة تعارف خفيف، لا يكسر فردية الحياة وتلك المسافة البديهية السائرة بين أشخاص يظل تعارفهم وتحادثهم آنيين وعابرين. كأنما بطء الوقت وإيقاع الحياة اليومية البطيء هو نسيج تلك الإلفة المحلية، خفتها ولغتها. ولكن مشهد ذاك الرجل الذي يجلس وحيدًا ومصبّرًا كتمثال على كرسي إلى طاولة مقهى تناولنا فيه، بيار وأنا، شرابًا في نهاية السهرة، أراني كم هي شديدة ومضاعفة، قسوة الوحدة في هذه المدينة الصغيرة. رجل يسهر وحيدًا بين جموع الساهرين غير المكترثين بوجوده بينهم. لا أحد منهم يلتفتُ إليه، كأنه غير موجود. وهو في جموده الصّنمي بدا لي أن وحدته مرضيّة، ومنفصل تمامًا عن الواقع. كأنه تمثال للوحدة الأبدية، أو لبؤس العالم، مكثفًا ومصفى في رجل مصبّر على كرسيّ، ويديه ممددتين أمامه على طاولة، بلا أي حركة. وكوب البيرة الذهبية أمامه على الطاولة جامدٌ لا حياة فيه، كأنه استعار جموده الدهري المتحجّر من الرجل المتجهم الذي يحدق فيه. لم أرَ من قبل في حياتي مثل هذا الصرح الصنمي لوحدة مجسّدة في رجل. وبعد وقت ليس بقليل تهيأ لي أن الرجل يؤدّي دورًا مسرحيًا للانفصال عن الواقع، من دون أن يكترث أحد به ولا بأدائه. أو أن رواد المقهى تعوّدوا على حضوره ودوره المسرحي، فعزفوا عن الالتفات إليه، وربما لم يعودوا يبصرونه في وحدته وعزلته الكهفيتين قربهم وبين جموعهم، كأنه خارج الزمن والعالم. في رحلة عودتي من باريس إلى بيروت، لمحتُ المرأة التي صادف جلوسها قربي في الط