خطت ليبيا خطوة جديدة في طريق مثخن بالعثرات نحو ردم هوة الخلافات بين الفرقاء السياسيين وكسر الانسداد، تمهيداً لتنفيذ الاستحقاقات السياسية المعطلة منذ خمس سنوات. وشهد مقر بعثة الأمم المتحدة في العاصمة طرابلس، الأحد، توقيع اتفاق سياسي بين ممثلين عن قيادة الجيش الوطني في شرق ليبيا وحكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد، ضمن ما عُرف بلجنة "4+4". ويمثل الاتفاق اختراقاً للخلافات بشأن القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، ويفتح الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة لا تتجاوز عامين، تقودها سلطة تنفيذية موحدة، وسط ترحيب دولي واعتراضات من أطراف نافذة قد يعني تنفيذ الاتفاق إبعادها عن المشهد. وتبرز أهمية الاتفاق في أنه جاء بعد سنوات من عجز مجلسي النواب والأعلى للدولة عن التوافق بشأن القوانين الانتخابية وتشكيل مجلس إدارة جديد للمفوضية العليا للانتخابات، ما دفع البعثة الأممية إلى اعتماد مسار "الاجتماع المصغر" كقناة بديلة لتجاوز الجمود السياسي. من أبرز بنود الاتفاق معالجة شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، بما يسمح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح، وهي من أكثر الملفات التي عطلت تمرير القوانين الانتخابية لسنوات. كما يفك الارتباط بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بحيث لا يؤدي تعذر إجراء إحداهما إلى تعطيل الأخرى، ويمنح البرلمان المنتخب صلاحيات تشمل مناقشة الدستور الجديد وتمريره. وحدد الاتفاق سقفاً زمنياً لا يتجاوز 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات موحدة. لكنه أبقى، في حال تعذر ذلك، الباب مفتوحاً أمام الأطراف، بالتعاون مع البعثة الأممية، للبحث عن آلية تضمن الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي، وهو ما قد يتيح مساحة جديدة للتأجيل إذا تعثرت عملية التنفيذ. ولا يقتصر الاتفاق على القوانين الانتخابية، بل يرتبط بمسار أوسع لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد مؤسسات الدولة، بالتوازي مع تحركات يقودها مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط مسعد بولس، لدفع صيغة سياسية جديدة تتضمن تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع استمرار عبدالحميد الدبيبة في رئاسة حكومة موحدة، وإعادة توزيع المناصب السياسية والأمنية والحقائب الوزارية بما يضمن تمثيل القوى المؤثرة. ولتجاوز احتمال تعطيل الاتفاق من المؤسسات القائمة، نصت الوثيقة على آلية لاعتماده محلياً عبر "آلية وطنية واسعة التمثيل"، ودولياً عبر مجلس الأمن، بما يضمن التزام الأطراف بأحكامه، إذا لم يوافق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة عليه خلال شهر من توقيعه. ويعكس ذلك إدراكاً بأن التوافق بين القوى السياسية لا يضمن بالضرورة موافقة المؤسسات التشريعية، وهي العقبة التي عطلت مبادرات سابقة. ورغم مقاطعة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مراسم التوقيع، حضر نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني، إلى جانب أعضاء من مجلسي النواب والدولة وممثلين دوليين، في رسالة أرادت البعثة من خلالها تأكيد اتساع دائرة المشاركة والغطاء الدولي للاتفاق. ووصفت الموفدة الأممية هانا تيتيه التوقيع بأنه خطوة مهمة لتجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي عطل الانتخابات، مؤكدة أن التحدي ينتقل الآن إلى التنفيذ، وداعية المؤسسات والفاعلين الليبيين إلى الالتزام بالاتفاق وتغليب المصلحة الوطنية. ورحب الدبيبة وصدام حفتر بالاتفاق، باعتباره خطوة نحو إزالة العقبات أمام الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية. وأكد الأول أن المخرج يكمن في تمكين الليبيين من اختيار ممثليهم وإنهاء الانقسام، فيما شدد حفتر الابن على أنه "لم يعد هناك مبرر لمزيد من التأخير، ولا مكان للمعرقلين". الموفدة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه خلال توقيع اتفاق 4+4 في طرابلس. (بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا) لكن التوافق اصطدم سريعاً بأول اختبار عملي، مع قرار المنفي إعادة تسمية عماد السايح رئيساً لمفوضية الانتخابات، خلافاً لاتفاق "4+4" الذي أوصى بتسمية ضو الهمالي، ما يعكس تحديات الانتقال من التوافق السياسي إلى التنفيذ. ويرجع الأكاديمي الليبي المتخصص في العلوم السياسية الدكتور يوسف الفارسي، في تصريح لـ"النهار"، اللجوء إلى صيغة "4+4" إلى فشل مجلسي النواب والأعلى للدولة في التوصل إلى توافق، رغم منحهما سنوات عدة لتحقيق ذلك، مرجحاً نجاح الاتفاق هذه المرة في ظل دعمه من قيادة الجيش الوطني ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، وهما من أكثر الأطراف تأثيراً على الأرض، فضلاً عن الدعم الدولي. ويتوقع الفارسي أن يسهم الضغط الدولي في دفع الأطراف نحو تنفيذ الاتفاق وتجاوز الجهات التي قد تعمل على عرقلته. في المقابل، يشكك الناطق باسم حزب "صوت الشعب" عبدالسلام القريتلي في فرص نجاح الاتفاق، واصفاً إياه بأنه "معيب ولا يلبي تطلعات ليبيا وشعبها"، ومرجحاً