بينما ينتظر لبنان زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، إلى بيروت لتعزيز الدعم العربي، تأتي زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في مرحلة تتسع فيها الفجوة بين المسارات الدبلوماسية والوقائع السياسية والأمنية التي تحكم الوضع اللبناني. فبعد التحرك القطري الذي تناول دعم الجيش وقطاع الطاقة وإعادة الإعمار، تتجه الأولوية الفرنسية إلى مستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، في وقت تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية ويتفاقم الخلاف بين الدولة وحزب الله حول تنفيذ قرارات حصر السلاح. ولا تكمن المشكلة في نقص المبادرات الخارجية، بل في محدودية قدرتها على معالجة واقع يتداخل فيه الاحتلال الإسرائيلي مع رفض الحزب إخضاع نشاطه العسكري لقرارات الحكومة. وأعادت قضية شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر تسليط الضوء على حجم التعقيدات التي تواجهها الدولة. فقد نفذت الأجهزة الأمنية واجبها بضبط الشحنة ومنع وصولها إلى وجهتها، في خطوة تنسجم مع قرار الحكومة حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله. غير أن مطالبة الحزب باستعادة المتفجرات والإفراج عن الموقوفين، ورفضه الاعتراف بقرارات الثاني من آذار، حوّلا القضية إلى مواجهة سياسية حول حدود سلطة الدولة وقدرتها على فرض قراراتها. وفي المقابل، تضغط واشنطن لاستكمال الإجراءات ومحاسبة المسؤولين عن الشحنة، فيما لم يقابل الخطوات اللبنانية أي تقدم إسرائيلي مماثل على مستوى وقف الاعتداءات أو الانسحاب. ويكشف موقف النائب حسن فضل الله جانباً أساسياً من هذه المعضلة. فهو يؤكد عدم رغبة الحزب في تحدي الدولة، لكنه يرفض قراراتها، معتبراً أن الحزب يتحمل مسؤولية الدفاع بعدما عجزت الدولة، بحسب قوله، عن القيام بواجباتها. ولا يقتصر موقفه على تبرير استمرار السلاح، بل يتجاوز ذلك إلى التشكيك في قدرة المؤسسات على أداء وظيفتها الدفاعية، واتهام الحكومة بالتحرك تحت الضغط الأميركي، والتحذير من مواجهة داخلية. في المقابل، يصعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مواقفه، معلناً عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، ومتمسكاً ببقاء القوات الإسرائيلية في الجنوب. وقبل يومين من الاجتماع العسكري الثلاثي المقرر الثلاثاء في تامبا، أكد نتنياهو تمسكه ببقاء القوات الإسرائيلية في ما يسميه "الحزام الأمني"، رابطاً الانسحاب بنزع سلاح الحزب، ومشدداً على أن الهدف النهائي هو «القضاء عليه». ويوحي توقيت هذه التصريحات بأن إسرائيل تتعامل مع الاجتماع بوصفه استجابة للمساعي الأميركية الرامية إلى إبقاء المفاوضات قائمة، لا مؤشراً إلى استعدادها لتعديل مواقفها. وهو ما يضع الوفد اللبناني أمام استحقاق تفاوضي لا تلوح عشيتَه مؤشرات جدية إلى تنازلات إسرائيلية. في خضم هذه التعقيدات، تأتي زيارة بارو في إطار مساعي باريس إلى ضمان استمرار الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، بالتوازي مع دعم انتشار الجيش اللبناني. غير أن هذه المساعي تصطدم بعدم توافر الشروط الأمنية والسياسية اللازمة لتنفيذ الترتيبات المقترحة. لذلك، تركزت محادثات بارو مع المسؤولين اللبنانيين على مستقبل الترتيبات الأمنية والضمانات المطلوبة لتفادي فراغ دولي قد يزيد الوضع في الجنوب تعقيداً. بارو بين بري وسلام: مستقبل اليونيفيل استكمل بارو لقاءاته مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، بعدما بحث مع الرئيس جوزاف عون وقيادة الجيش الترتيبات الأمنية للمرحلة المقبلة. وشدد بري على تمسك لبنان ببقاء اليونيفيل، داعياً إلى تحرك فرنسي وأوروبي ودولي لتفادي الفراغ الذي قد ينشأ عن انتهاء مهمتها قبل استكمال تنفيذ القرار 1701. كما طالب بالضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والالتزام بالقرارات الدولية. من جهته، أكد سلام ضرورة استمرار الحضور الدولي تحت مظلة مجلس الأمن، بما يضمن مواصلة مهام المراقبة وتبادل المعلومات والتواصل، بالتوازي مع دعم الجيش وبسط سلطة الدولة وإعادة الإعمار وتأمين عودة النازحين. وجدد بارو استعداد فرنسا للمساهمة في صياغة الترتيبات المقبلة. لكن مسألة البديل تبقى مرتبطة بطبيعة المهام والصلاحيات والضمانات المتاحة لأي قوة جديدة. فاستمرار العمليات الإسرائيلية وعدم استكمال انتشار الجيش يثيران تساؤلات حول قدرة الترتيبات المقترحة على تحقيق الاستقرار، ولا سيما في ظل غياب ضمانات فرنسية كافية لكبح الاعتداءات الإسرائيلية وضمان الالتزام بالتفاهمات. رجي: لا سيادة مع ازدواجية السلاح في موازاة ذلك، أكد وزير الخارجية يوسف رجي، خلال مشاركته في اجتماع منظمة التعاون الإسلامي، أنه «لا سيادة مع ازدواجية السلاح»، مطالباً إيران بوقف إمداد حزب الله بالأسلحة والأموال. وتضع هذه المواقف الحكومة أمام اختبار مزدوج: المضي في الإجراءات القضائية المتعلقة بشحنة المتفجرا