لم يكن ديتريش بونهوفر، نجل الطبيب النفسي الألماني الشهير كارل بونهوفر، مجرّد قسّ ولاهوتي قاوم النازية وقضى في معتقلاتها، بل كان مفكّراً انشغل بفكّ شيفرة السقوط الأخلاقي والمجتمعي: كيف يفقد الإنسان استقلاله الفكري، ويتحوّل إلى جزء من منظومة سياسية مدمّرة دون أن يدرك حجم الأذى الذي قد يلحقه بنفسه وبوطنه؟ في تأمّلاته الشهيرة حول «الغباء السياسي»، لم يكن بونهوفر يقصد نقص الذكاء أو المعرفة عند البشر، بل وصف حالة يتراجع فيها التفكير النقدي إلى حدّ التلاشي تحت تأثير سيطرة العاطفة السياسية والاجتماعية. عندها، يتحوّل الفرد إلى مدافع أعمى عن السلطة أو العقيدة أو «الزعيم»، حتى عندما تتناقض ممارساته الفعلية بشكل فاضح مع المبادئ التي يعلن التمسّك بها. وإذا كانت أفكار بونهوفر تشرح كيف يُعطَّل العقل تحت ضغط الولاء، فإن الدعاية السوداء، التي ارتبطت باسم جوزيف غوبلز، تقدّم الآلية المكمّلة لهذه اللعبة: توظيف الإعلام والتكرار والتلاعب بعواطف الجماهير لصناعة صورة مشوّهة عن الخصوم، وتحويلهم من منافسين سياسيين إلى أعداء وجوديين يُصوَّرون على أنهم «مصدر كل شرّ»، بحيث يصبح التخلّص منهم، في نظر الأتباع، ضرورة لا مفرّ منها للوصول إلى حياة أفضل. من هذين المدخلين، تبرز الحاجة الملحّة إلى قراءة تحليلية لخطاب «التيار الوطني الحر» وتجربته في لبنان، حيث يتحوّل الولاء السياسي إلى آلية لتبرير التناقضات، وتغدو «شيطنة المنافس» هدفًا يتقدّم على الحقيقة والمصلحة الوطنية العليا. ارتبطت الحالة العونية، التي قادها ميشال عون، باستثمارٍ سياسي في قدسية البذلة العسكرية ورمزيتها لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وبشرعية شعبية استمدّتها من شعارات برّاقة : السيادة والاستقلال والإصلاح ومواجهة منظومة الفساد. وقد استقطبت هذه الشعارات شريحة واسعة من اللبنانيين الذين رأوا فيها مشروعًا لبناء دولة المؤسسات والمحاسبة والعدالة. لكنّ المشاريع السياسية لا تُقاس بشعاراتها، بل بممارساتها حين تصل إلى السلطة. ومع وصول ميشال عون إلى سدّة الرئاسة، وتغلغل تياره في مفاصل الدولة، جاءت الحصيلة كارثية على مختلف الصعد؛ انهيارٌ غير مسبوق، وسيادةٌ منتهكة في ظلّ هيمنة حزب الله على قرار الدولة، وفسادٌ ومحسوبية استشريا حتى باتا من أبرز سمات العهد العوني. هنا تحديدًا تتجلّى أهمية أفكار بونهوفر؛ فالمشكلة لا تكمن في المستوى الأكاديمي أو الذكاء لدى المؤيدين، بل في التعطيل الإرادي للعقل والتخلّي عن الاحتكام إلى المنطق. فعندما يصبح الانتماء الحزبي جزءًا من الهوية الشخصية، لا يعود الفرد يسأل: «هل هذا الموقف صحيح ومبدئي؟»، بل: «هل يخدم الزعيم ويحميه؟». عندها، لا يستدعي التناقض الصارخ مراجعة المواقف، بل اختراع «تخريجة» إعلامية لتبريره؛ ويغدو الاعتراف بالخطأ تهديدًا لصورة الزعيم، ولتماسك القطيع، وللصورة التي يحملها كل فرد فيه عن نفسه. في الممارسة السياسية التي رسّخها الخطاب العوني، تبدأ الدعاية التضليلية بفبركة اتهام، أو اقتطاع الكلام من سياقه، أو تحريف النوايا عمدًا. ثم تُشنّ حملة منظّمة عبر المنصات والشاشات الحزبية، يُضخّ خلالها الاتهام ويُكرَّر بلا هوادة، حتى يطغى الكذب على الحقيقة في لاوعي الجماهير، ويغدو التكرار بديلًا عن الدليل، والافتراء أداةً لتشويه الخصوم وتضليل الرأي العام. فعندما تصبح «الشيطنة» غايةً بحدّ ذاتها، وتُستنزف الطاقات في معارك لا تهدف إلى كشف الحقيقة، بل إلى إلحاق أكبر قدر من الضرر بسمعة الخصم، يتحوّل الخلاف السياسي الطبيعي إلى «مؤامرة كونية»، ويُصوَّر الانتقاد الموجّه إلى القيادة بوصفه دليلًا على «حملة استهداف ممنهجة»، بما يرسّخ وهم «التهديد الوجودي». في بلد هشّ كلبنان، يتجاوز خطر هذا النمط السياسي حدود الصراع الحزبي ليصل إلى تدمير الوعي وتفتيت المجتمع. فالشبهات واتهامات التخوين تتسلّل إلى العلاقات الاجتماعية اليومية، محوّلةً الاختلاف إلى عداء، والانتماء السياسي إلى معيار أخلاقي للحكم على الآخرين. والنتيجة؟ مجتمع منقسم حتى حول البديهيات، يعجز عن مساءلة حكّامه عن الفشل والانهيار، لأنه غارق في صراعه مع «العدو الوهمي» الذي ليس، في نهاية المطاف، سوى جاره أو أخيه أو ابن قريته. إن قراءة السلوك السياسي العوني عبر منظار بونهوفر وغوبلز تتجاوز حدود التيار لتضع المجتمع اللبناني بأكمله أمام مرآة قاسية: ماذا يتبقى من الوطن عندما يصبح الولاء للزعيم أقوى من الحقيقة والزعيم أهم من الوطن؟ إن أخطر ما تحققه الدعاية السوداء ليس دفع الناس لتصديق كذبة بعينها، بل إفقادهم القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، وإقناعهم بأن كل وسيلة مجردة من الأخلاق هي وسيلة مشروعة ما دامت تخدم القطيع.