في وقت تنشغل فيه واشنطن بملفات ساخنة من إيران إلى أوكرانيا وقطاع غزة، بدأ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جولة في آسيا الوسطى والهند، تحمل في طياتها أهدافًا اقتصادية واستراتيجية، وتسعى من خلالها الإدارة الأميركية إلى توسيع حضورها في منطقة تتقاطع فيها مصالح واشنطن مع نفوذي روسيا والصين. وحطت طائرة روبيو مساء الأحد في أوزبكستان، في أول محطة ضمن جولته في آسيا الوسطى والجنوبية، حيث يسعى إلى تعزيز الروابط التجارية مع دول المنطقة، وتوسيع الشراكات الأميركية في قطاعات الطاقة والمعادن والموارد الاستراتيجية. ووصل روبيو إلى سمرقند، المدينة الواقعة تاريخيًا على طريق الحرير، على رأس وفد كبير يضم أكثر من 200 من قادة الأعمال، للمشاركة في الاجتماع الوزاري لمجموعة "سي 5+1"، التي تجمع الولايات المتحدة مع أوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان. وكان في استقبال روبيو وزير الخارجية الأوزبكي بختيار سعيدوف، بعدما شدد الوزير الأميركي، قبل مغادرته واشنطن مساء السبت، على أهمية العلاقة بين الولايات المتحدة ودول المنطقة، واصفًا الزيارة بأنها استراتيجية. وتأتي الجولة في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بالحرب مع إيران، فيما تستمر الحرب في أوكرانيا من دون مؤشرات واضحة إلى التهدئة، وسط اتساع الخلاف بين واشنطن وكييف. ويرى مسؤولون أميركيون أن آسيا الوسطى، الغنية بالموارد والواقعة جغرافيًا بين الصين وروسيا وإيران، لم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه خلال الإدارات الأميركية السابقة. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد استضاف قادة مجموعة "سي 5" في البيت الأبيض في تشرين الثاني 2025، عندما وافقت كازاخستان على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام للتطبيع مع إسرائيل. كما التقى ترامب رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي. وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تسعى إلى "تعزيز الشراكة عبر آسيا الوسطى"، خصوصًا في قطاع الطاقة، فيما أوضح مسؤول أميركي رفيع آخر، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الجولة جرى التخطيط لها منذ عدة أشهر، وتمثل فرصة استثنائية لتعزيز حضور الولايات المتحدة في منطقة ذات أهمية عالمية متزايدة. ورغم أن عدد سكان جمهوريات آسيا الوسطى الخمس لا يتجاوز نحو 80 مليون نسمة، فإن المنطقة تمتلك احتياطات ضخمة من المواد الأولية والموارد الاستراتيجية. ولا تزال الدول الخمس مرتبطة بموسكو عبر شبكات الطاقة والهجرة والأمن، إلا أن النفوذ الروسي فيها تراجع منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، في مقابل توسع واضح للحضور الصيني، إذ أصبحت بكين الشريك التجاري الرئيسي لجمهوريات آسيا الوسطى. وتبرم الشركات الصينية عددًا متزايدًا من الاتفاقات في قطاع الطاقة، بما يسمح لها بالحصول على الغاز الطبيعي من تركمانستان، واليورانيوم من كازاخستان، والمعادن النادرة من طاجيكستان. في المقابل، جعلت الولايات المتحدة تأمين إمدادات المعادن النادرة وتنويع مصادر الطاقة ركيزتين أساسيتين في سياستها الخارجية، فيما قال دبلوماسي من آسيا الوسطى إن إدارة ترامب ركزت جهودها التجارية على توسيع فرص الوصول إلى موارد المنطقة. وتندرج جولة روبيو ضمن نمط دبلوماسي بات واضحًا في تحركاته الخارجية، إذ يتوجه في أحيان كثيرة إلى مناطق لا تتصدر عناوين الأخبار، بينما يترك بعض الملفات الأكثر تعقيدًا، مثل إيران وأوكرانيا وقطاع غزة، لمعاوني ترامب، ومن بينهم المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إضافة إلى نائب الرئيس جيه دي فانس. ولم يزر روبيو كييف أو موسكو منذ توليه منصب وزير الخارجية، كما لم يحضر المحادثات التي جرت بين مسؤولين أميركيين وأوكرانيين في فلوريدا في وقت سابق من تشرين الأول، حين ضغط مسؤولون أميركيون على أوكرانيا لوقف قصف المصافي الروسية. كما مثّل فانس الولايات المتحدة، بدلًا من روبيو، في باكستان خلال محادثات السلام مع إيران في نيسان الماضي. وكانت جولة روبيو السابقة، في أوائل تشرين الأول، قد شملت اليونان والبرتغال وآيسلندا، فيما سبقتها جولات في أوروبا وأميركا اللاتينية، بالتزامن مع حملة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 تشرين الثاني المقبل. ويرفض مسؤولو إدارة ترامب الانتقادات التي تقول إن على الوزراء الأميركيين التركيز في رحلاتهم على العواصم الكبرى والبؤر الساخنة فقط. وفي هذا السياق، كتب نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو على منصة "إكس" الأسبوع الماضي أن فكرة اقتصار زيارات وزراء الخارجية على وجهات معينة "تلخص تمامًا تردي وتدهور مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية المعاصرة". ورغم التقارب المتزايد بين دول مجموعة "سي 5" والولايات المتحدة، فإن هذه الدول لا تزال تحتفظ بروابط تاريخية عميقة مع موسكو. ويقول مسؤولون غربيون إن المنطقة ساهمت في تسهيل و