أنطوان العويطيقف العالم على حافة المجهول، فوق صفيح ساخن تتصاعد منه نيران الصراعات، وتتضارب فيه أجندات القوى الكبرى والصغرى. تتسارع الأحداث وتتداخل الجبهات، وتضيق المسافة بين خطأ في الحسابات وانفجار إقليمي قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة، فيما يصعب احتواء نتائجه لسنوات.في قلب هذه العواصف، يقف لبنان مكشوفًا أمام نزاعات تتجاوز قدرته على التحكّم بمساراتها، ومثقلًا بهشاشته الداخلية وأعباء أزماته. شعب يتطلّع إلى الحياة فيما يلاحقه شبح الحرب، ودولة تواجه اختبار السيادة والوجود في إقليم تتقدّم فيه لغة القوّة على فرص التسوية. وكلّما اتّسعت المواجهة، ازدادت الحاجة إلى دولة تمتلك قرارها، وتحمي أرضها، وتمنع تحويلها إلى ساحة لحسابات الآخرين.واقع الأمر أنّ النار لا تعترف بحدود. واضطراب الممرّات البحرية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد ينقل ارتدادات الصدامات إلى اقتصادات العالم وموائد الشعوب، فيما تتراجع قدرة المؤسّسات الدولية على احتواء الأزمات. فلا دولة بمنأى عن تبعات الفوضى، ولا استقرار مضمونًا ما دامت إمكانات الانفجار مفتوحة.من هنا، تتقدّم مسؤولية الأمم المتحدة ومجلس الأمن، اللذين أُنشئا بهدف تجنب ويلات الحروب، وصون السلم والأمن الدوليين. غير أنّ الهوّة بين المبادئ والتطبيق، وتضارب المصالح واستخدام حقّ النقض، تكشف حدود قدرتهما على احتواء الأزمات.وحين تتقدّم حسابات النفوذ على القانون، تصبح الدول الأضعف أكثر عرضة لموازين القوّة. وفي لبنان، تكتسب هذه المفارقة معنى وجوديًّا، إذ تتّسع الفجوة بين التأكيدات الدولية بشأن سيادته وتعافيه والضمانات الفعلية لحمايته، ما يفرض على الدولة تحويل الدعم المعلن إلى خطوات عملية تصون سيادتها وتحمي مصالحها.أتخيّل رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في ساعة متأخّرة من الليل، وقد خفتت الأصوات من حولهما، وبقيت أمامهما خريطة وطن لا يعرف ما يحمله له الغد. بين أيديهما ملفات الدولة والمواقف الصادرة عن مراكز القرار، وفي الخارج شعب يترقّب مصيره بقلق، ويتطلّع إلى وطن يمنح أبناءه الأمان وحقّ العيش بكرامة. أتخيّلهما يستعرضان التعهّدات الدولية ويقارنانها بما يحتاج إليه لبنان فعلًا، من حماية أرضه وصون سيادته وتثبيت استقراره، إلى منع انزلاقه إلى حرب يدفع شعبه ثمنها. عندها يتكشّف التباعد بين الكلمات والوقائع. وفي هذه اللحظة الدقيقة، تبرز أهمية ما أظهراه من تفاهم وتنسيق، بما يعكس إدراكًا مشتركًا لخطورة المرحلة.في هذا الليل الدامس، تبدو وحدة الرؤية بينهما أكثر من مجرّد حاجة سياسية؛ إنّها خيار وطني يمكن أن يفتح أمام لبنان نافذة أمل، ويشكّل أساسًا لتحصين القرار السيادي ومواجهة التحدّيات التي تهدّد الوطن. ومن هنا، تبرز أهمية البناء على هذا التفاهم والعمل على بلورة مبادرة وطنية واضحة، تستند إلى خطاب القسم والبيان الوزاري والقرارات الحكومية، وتحدّد ما يريده لبنان، وما هو مستعدّ للقيام به، وما ينتظره من المجتمع الدولي. على أن تُطلق المبادرة في التوقيت المناسب، بما يتيح لها فرص النجاح ويضمن جدّية التعاطي معها، بعيدًا من الارتجال أو الاكتفاء بالمواقف العامة.ويمكن أن تتجسّد هذه المبادرة في وثيقة وطنية موجزة، تحدّد الأولويات اللبنانية، وفي مقدّمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلّة، وصون السيادة، وحماية المدنيين، وضمان عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم بأمان، وإطلاق إعادة الإعمار، ومنع تجدّد الحرب. وتؤكّد الوثيقة، بالتوازي، حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وحصر السلاح بالمؤسّسات العسكرية والأمنية الشرعية، بما يعزّز قدرتها على حماية البلاد ضمن إطار الدولة والقانون.وقد يكون من المفيد أن يقترن ذلك بتحرّك مباشر على أعلى المستويات، عبر رسائل إلى قادة الدول المؤثّرة والأمين العام للأمم المتحدة، تتبعها لقاءات تهدف إلى الحصول على أجوبة واضحة والتزامات محدّدة، سياسية ودبلوماسية، وأمنية وميدانية، ومالية وإنسانية. ويقتضي ذلك أيضًا عرضًا دقيقًا وموثّقًا لما نفّذه لبنان من القرارات والالتزامات المطلوبة منه، وما لا يزال يتعيّن عليه استكماله، في مقابل تحديد ما يُنتظر من الأطراف المعنية القيام به، وما الخطوات التي يلتزم كلّ طرف باتخاذها، ضمن أيّ مهلة زمنية، وبأيّ ضمانات وصيغ للتحقّق من التنفيذ، بما يكفل احترام الالتزامات المتبادلة ويحول دون بقائها حبرًا على ورق.وقد يشكّل ذلك أساسًا لإقرار آلية متابعة واضحة، تتولاها الجهات الرسمية المختصّة، وترفع بموجبها تقارير دورية إلى مجلس الوزراء، بما يتيح تقييم التقدّم، وتحديد مواطن التعثّر، واتخاذ القرارات المناسبة بشأن الخطوات اللاحقة.وبموازاة هذا المسار الرسمي، يحتاج لبنان إلى حملة إعلامية منظّمة تشرح قضيته للرأي العام العالمي، وتُوصل