تشبه قضية شحنة المواد المتفجرة التي ضبطتها القوى الأمنية عند حاجز ضهر البيدر وأقر حزب الله بملكيتها، في بعض جوانبها، قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994، التي اتُّهمت، آنذاك، القوات اللبنانية بتنفيذها. والمقصود أن تفجير الكنيسة أفضى إلى إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وقاد إلى فتح ملفات قائد القوات اللبنانية، سمير جعجع، زمن الحرب تمهيداً لمحاكمته وسجنه، ومن ثم حلّ حزبه واعتباره محظوراً وملاحقة أعضائه. طبعاً، مع الأخذ في الاعتبار سياقاً سياسياً بدأ منذ توقيع اتفاق الطائف ودخوله حيّز التنفيذ عام 1990، وما رافقه من تغييرات في موازين القوى، لم يتكيّف معها جعجع، وأراد تجاهل التحولات التي حصلت، فكان ما كان. إلى حدّ بعيد، تشبه تلك الحالة ما يحصل مع حزب الله اليوم. ثمة تغييرات حصلت في الداخل والخارج، يرفض الحزب الاعتراف بمفاعيلها، وهذا حقه، ويمضي في مقاومتها ومواجهتها بمختلف الطرق. وفي الوقت نفسه، يستأنف نشاطه الطبيعي في مواجهة إسرائيل، ويستمر في نقل الأسلحة والعتاد وتجنيد المقاتلين والإعداد اللوجستي، ما أدى إلى ضبط شحنة من المواد المتفجرة اعترف بمسؤوليته عنها، وأخرى لم يعترف بها، فيما يلوح اليوم بوادر إحالة الملف إلى المجلس العدلي. إن إحالة ملف حزب الله إلى المجلس العدلي، كما يريد ويسعى وزير العدل عادل نصار وحزبا الكتائب والقوات اللبنانية، تعني، عملياً، التمهيد لاتهام الحزب بزعزعة الاستقرار الداخلي والقيام بأفعال جرمية وسيمهد ذلك إلى فتح ملفات الحزب على مصرعيها. طبعاً، ثمة مسار طويل للوصول إلى هذه النتيجة، وفي حالتنا الراهنة، لا يظهر حتى الآن فعل جرمي محدد ارتكبه الحزب يمكن الاستناد إليه لتصنيفه تنظيماً إجرامياً. لكن ربما يتوافر ذلك لاحقاً، أو يأتي من يوظّف نفسه لإلحاق الأذى بالحزب وبالوضع الداخلي، وإدخاله في عنق الزجاجة. وثمة أيضاً مسار قانوني وإجرائي طويل للعبور إلى المجلس العدلي. صحيح أن وزير العدل تطوّع لطرح المشروع على رئيس الجمهورية جوزاف عون، لكن الأخير حاول تبريد اندفاعته، بإبلاغه ضرورة انتظار جلاء التحقيقات، التي استبقتها المصادر القضائية أساساً بتوزيع الاتهامات التي استند إليها نصار في مسعاه. لا يعني ذلك أن رئيس الجمهورية يعارض اتخاذ إجراءات، بل إنه يرفض اتخاذ إجراءات غير مسؤولة، ببساطة لأنه يدرك كلفتها. كذلك يفعل رئيس الحكومة نواف سلام، الداخل في شهر عسل مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، لتحسين شروط الرئاسة مع بعبدا. وإن كان رافضاً لمسار الحزب، لكنه ليس في وارد إزعاج بري أو زعزعة الوضع الداخلي. ولذلك، دعا أمس نصار ومدعي عام التمييز أحمد رامي الحاج للإجتماع، وبدل دعمهما في مساعيهما الآلية لإقتياد الحزب إلى "العدلي"، طلب إليهما التوسع في التحقيقات ومتابعة الإجراءات المتخذة، والعودة إليه في أي تفصيل، ليكون قد إلتزم ما وعد به بري من حل الموضوع من دون "شوشرة". غير أن نصار ما زال مصراً على الذهب إلى إعداد ملف الإحالة إلى المجلس العدلي، مدفوعاً بدعم الكتائب والقوات ومدعي عام التمييز أحمد رامي الحاج، الذي خاض، بحسب المعلومات، مواجهة مع المدير العام للأمن العام، اللواء حسن شقير، خلال انعقاد مجلس الأمن المركزي الأسبوع الماضي، حين بدا مستقتلاً في اتهام الحزب بنقل المتفجرات لاستخدامها في الداخل، من دون دليل، ومستبقاً جلاء التحقيقات. بهذا المعنى، وفي حال حصول الإحالة، فإن التحقيق في القضية ينتقل من عهدة القضاء العسكري، إلى المحقق العدلي الذي يُعيَّن للنظر في الملف. وقد يفتح ذلك الباب أمام ضمّ ملفات شحنات المتفجرات التي ضُبطت، أو التي قد تُضبط لاحقاً، إلى القضية نفسها، خصوصاً أن الحزب لن يلتزم، على الأرجح، وقف نشاطه العسكري واللوجستي. وربما يتوسّع المسار ليشمل موقوفين من الحزب أثناء توجههم للقتال، أو حتى نواباً منه اعترفوا، أو قد يعترفون، بمسؤولية الحزب عن شحنات أو أنشطة مرتبطة بالمقاومة، إذا ما جرى البحث عن أسس قانونية لملاحقتهم. لكن، برأيي، المقصود ليس فقط تأديب الحزب أو محاكمته على خياراته، بل استدراجه إلى اشتباك داخلي، تماماً كما حصل في أحداث 7 أيار 2008، حين لم يكن الحزب يريد المعركة، ففُرضت عليه، وفق قراءته، بفعل قرارَي حكومة فؤاد السنيورة الشهيرين. واليوم، ثمة من ينبش مجدداً عن قرار حكومي لاستفزاز الحزب ودفعه إلى المواجهة. وهذا يتطابق، في تقديري، مع المسعى الأميركي - الإسرائيلي لإغراق الحزب في متاهة داخلية، تنفيذاً لخيار إشغاله على أكثر من جبهة. إن إحالة ملف شحنة المواد المتفجرة، وما قد يتفرّع عنه من ملفات، لا تعني، في أبعادها السياسية، إلا أمراً واحداً: وضع مسألة حل حزب الله، بمؤسساته وجمعياته وقدراته، على الطاولة، وصولاً إلى اعتباره حزباً محظوراً. وعملياً، ينسجم هذا التوجه مع مضمون قرارات مجلس الوزراء الصادرة في 5 و7 آب،