في السياسة اليونانية متّسع للجميع: يدٌ توقّع مع إسرائيل أضخم صفقة دفاعية في تاريخ العلاقات بين البلدين، ويدٌ أخرى تستقبل رئيس الجمهورية جوزاف عون وتؤكد دعم سيادة لبنان وجيشه ومطلب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. ولم تفصل بين المشهدين أسابيع أو حتى أيام، بل حدثا في اليوم نفسه. فبينما كان عون يجري محادثاته في أثينا، وقّعت وزارتا الدفاع اليونانية والإسرائيلية اتفاقاً بقيمة تقارب 3 مليارات يورو، تتولى إسرائيل بموجبه إنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات لليونان تحت اسم "درع أخيل". وتشمل الصفقة منظومات "مقلاع داوود" و"سبايدر" و"باراك إم إكس"، إضافة إلى رادارات متطورة ونظام وطني للقيادة والسيطرة. ووصفتها وزارة الدفاع الإسرائيلية بأنها أكبر صفقة تصدير عسكري في تاريخ العلاقات بين إسرائيل واليونان، وواحدة من أضخم الصفقات في تاريخ إسرائيل. وفي الجهة الأخرى من المشهد، كان عون يطالب المسؤولين اليونانيين بمواصلة دعم لبنان والجيش اللبناني، مؤكداً أن الحل الوحيد الممكن يقوم على انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع بسط القوات المسلحة اللبنانية وحدها سيطرتها على كامل البلاد. أما رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، فأعلن وقوف بلاده إلى جانب سيادة لبنان واستقلاله ووحدته، ودعم جهود عون لتثبيت سلطة الدولة. كما أكد استعداد القوات المسلحة اليونانية لزيادة دعم الجيش اللبناني والمساهمة في منع حصول فراغ أمني في الجنوب بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". لكن ميتسوتاكيس لم يترك مجالاً للالتباس، فوصف إسرائيل في الوقت نفسه بأنها "شريك استراتيجي"، واضعاً دعم لبنان والتحالف مع تل أبيب ضمن معادلة واحدة عنوانها أن أمن لبنان، وفق رؤيته، لا يتعارض مع أمن إسرائيل. هكذا بدت أثينا وكأنها تدير توازناً محسوباً بدقة: تطلب من لبنان أن يثق بدورها السياسي والأوروبي، فيما تمنح إسرائيل، في اليوم نفسه، صفقة عسكرية ضخمة تعزز صناعاتها الدفاعية ونفوذها الإقليمي. قد تكون هذه هي الدبلوماسية بلغة المصالح، لكنها تكشف أمام لبنان حقيقة أكثر قسوة: الدعم السياسي المجاني يُمنح لبيروت في المؤتمرات، أما المليارات والشراكات الاستراتيجية فوجهتها تل أبيب.