كان الأسبوع الفائت في لبنان أميركي الطابع، على الرغم من وصول وفد فرنسي وزاري برئاسة وزير الخارجية جان نويل بارو. لأن المواقف التي صدرت بشكل مباشر، أو من خلال معلومات ومصادر، ألقت بثقلها على الواقع اللبناني وطغت على ما عداها من أمور، حتى تلك التي حملها معه الوفد الفرنسي. بين كلام السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، والاتصال الذي تم بين وزير الخارجية ماركو روبيو والرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، تقاطعت المعلومات والمصادر على خط واحد: طلب من الدولة الانقضاض على حزب الله، في هذه الفترة تحديدًا، وإلا سيتم تفويت فرصة كبيرة على لبنان. هذا الموقف الأميركي غير الرسمي، تناقلته مصادر عديدة، أكدت أن الأميركيين يرغبون في الاستفادة من هذه اللحظة التي تمر بها المنطقة، ومن الهفوات التي يرتكبها حزب الله في لبنان (ومنها على سبيل المثال لا الحصر مسألة المتفجرات التي صودرت من قبل السلطات اللبنانية)، لتقويض دور الحزب وتأثيره على مجريات أي أحداث ستشهدها المنطقة وستنعكس بطبيعة الحال على لبنان، وفي مقدمها احتمال توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، ترجّح المصادر حصولها بعد الانتخابات الأميركية مباشرة. يعلم الأميركيون جيدًا أن لبنان ليس في وارد القبول بأي مواجهة داخلية، تحت أي مسمى، لأن تأثيرها وتداعياتها ستكون كارثية على الجميع. ولن يجرؤ أحد على الإعلان عن انتصاره في هذه المواجهة التي من غير المؤكد أنها ستضع حدًا للحزب، أو أنها ستطلق يده بحرية العمل. أي بمعنى آخر، ستبقى الأمور على حالها، مع نتيجة سلبية بتراجع الحالة من الاستقرار الهش الذي يعيشه البلد اليوم، إلى التوتر الكبير الذي سيعيشه في الفترة المقبلة، في حال حصول هذه المواجهات. وعليه، فإن السؤال المنطقي المطروح هو: ما الذي يريده الأميركيون من لبنان؟ توضح المصادر أن المسعى الأميركي هو لتهميش الحزب وليس القضاء عليه، وإدراكهم المتأخر أن إضعافه لن يكون على يد إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أوروبا، بل على يد اللبنانيين أنفسهم. والمطلوب فعليًا هو الإبقاء على وتيرة استهداف حزب الله بطريقة أو بأخرى، وبوضعه في موضع الدفاع عن النفس أمام الاتهامات التي يواجهها، خصوصًا في قضية المتفجرات التي قيل إنها موجهة للداخل وليس للخارج، وهو ما ينفيه الحزب بشكل مطلق. يريد الأميركيون أيضًا الحصول على تشريع التعاطي مع إسرائيل، وعدم معاقبة من يقوم بذلك، تحت ذريعة أن المفاوضات المباشرة حصلت وتحصل على مستويات مدنية وعسكرية أيضًا، وبالتالي حان الوقت لوضع حد لمعاقبة من يتواصل مع الإسرائيليين على كل المستويات. وفي حين لن نغوص في هذه النقطة تحديدًا، يكفي أن نشير إلى أنه دونها عقبات عديدة، أولها وجوب إقرار مجلس النواب قانونًا جديدًا ينهي مفاعيل القانون السابق، وهو أمر ليس من الوارد أن يحصل، على الأقل في المدى المنظور. نظرًا إلى أن إسرائيل لا تزال تعطي اللبنانيين أسبابًا لا تعد ولا تحصى لإظهار عدم وجود نوايا صافية من قبلها تجاههم، ومن غير المنطقي مد يد المصالحة لها قبل أن تتوقف عن القتل والنسف والتدمير والاحتلال. الضغوط الأميركية إذًا تتزايد لقطف ثمار فرصة ضعف الحزب حاليًا، للعمل على تقويضه وتهميشه، وهذه المرة بأدوات داخلية رسمية وشرعية. وفي حين قد ينجح هذا الأمر بشق معيّن (مصادرة أسلحة ومواد متفجرة...)، فإنه من الصعب جدًا أن ينجح في نواحٍ أخرى، ومنها على سبيل المثال: الشق المالي، والشق السياسي، والتأييد الشعبي (خصوصًا في حال نجح الحزب في ترجمة كلامه إلى أفعال بالنسبة إلى المساعدات المالية المرتقبة).