كشف تقرير صادر عن مركز "ألما" الإسرائيلي، أعدّه الباحث يعقوب لابين، عن توسّع ملحوظ في الحضور القطري داخل لبنان وسوريا، معتبراً أن الدوحة تعمل على تحويل الاستثمارات والمساعدات والدور الدبلوماسي إلى نفوذ استراتيجي طويل الأمد، يمتد من تمويل مؤسسات الدولة اللبنانية إلى إعادة إعمار الجنوب، ومن قطاع الطاقة السوري إلى المطارات والمصارف والخدمات العامة. وبحسب التقرير، اتخذ الدور القطري مسارين متوازيين: الأول في سوريا، حيث أصبحت الدوحة من أبرز المستثمرين في مشاريع الطاقة والبنية التحتية بعد سقوط نظام بشار الأسد، والثاني في لبنان، من خلال توسيع الدعم المقدم إلى الجيش والقوى الأمنية، إلى جانب الدخول على خط الوساطة غير المباشرة بين بيروت وتل أبيب. وأشار التقرير إلى أن قطر انتقلت في دعمها للجيش اللبناني من تمويل الرواتب إلى تقديم الآليات والوقود والمساعدة في البنى التحتية. ففي عام 2022، تعهّدت الدوحة بتقديم 60 مليون دولار لدعم رواتب العسكريين، ثم حولت 20 مليون دولار إضافية في تموز 2024، قبل أن ترسل في نيسان 2025 دفعة من الآليات العسكرية، بالتزامن مع تقديم 60 مليون دولار أخرى لتمويل رواتب الضباط. وفي كانون الثاني 2026، أكد وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية محمد بن عبد العزيز الخليفي أن بلاده دعمت رواتب الجيش اللبناني طوال 4 سنوات متتالية، مشيراً إلى إمكان توسيع هذا الدعم ليشمل قوى الأمن الداخلي. كما استضافت الدوحة في شباط 2026 اجتماعاً دولياً لدعم الجيش والقوى الأمنية، بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا ومصر وقطر والسعودية. ولم يقتصر الحضور القطري، وفق التقرير، على الجانب المالي والأمني، إذ سعت الدوحة خلال صيف 2026 إلى تثبيت موقعها وسيطاً أساسياً بين لبنان وإسرائيل. وفي 19 حزيران، انطلقت محادثات في بورغنستوك السويسرية بوساطة قطرية–باكستانية وإشراف أو مشاركة أميركية، ضمن مسار حوار غير مباشر تناول تثبيت وقف طويل الأمد لإطلاق النار وقضايا مرتبطة بـ"حزب الله". ونقل التقرير عن معلومات صحافية لبنانية أن المبادرة القطرية هدفت إلى إدارة مفاوضات غير مباشرة مع إبقاء الحكومة اللبنانية طرفاً أساسياً فيها، وبالتنسيق مع واشنطن والرياض. ورأى أن هذا الدور يمنح الدوحة قدرة على التواصل مع الحكومة والجيش و"حزب الله" والولايات المتحدة وإسرائيل في وقت واحد. في المقابل، زعم تقرير "ألما" أن المساعدات القطرية المخصصة للقرى الجنوبية ذات الغالبية الشيعية قد تساعد "حزب الله" بصورة غير مباشرة، حتى إذا لم تُحوّل الأموال إلى الحزب نفسه. واستند في ذلك إلى أن تمويل إعادة الإعمار والخدمات من دون رقابة كافية أو شروط مرتبطة بالسلاح قد يخفف التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للمواجهة عن البيئة الحاضنة للحزب. وبحسب التقرير، خصصت قطر في كانون الثاني 2026 نحو 480 مليون دولار لإعادة إعمار بلدات جنوبية، بينها كفركلا وعيتا الشعب، إضافة إلى بلدات في القطاع الغربي مثل يارين والجبين وطيرحرفا وعلما الشعب، كما أعلنت مبلغاً إضافياً بقيمة 400 مليون دولار لإعادة إعمار الجنوب. واعتبر التقرير أن وصول الأموال عبر البلديات والمقاولين وشبكات المساعدات المحلية، في غياب إشراف خارجي كافٍ، قد يسمح لـ"حزب الله" وحركة "أمل" بالتأثير في أولويات الإنفاق وتحديد المستفيدين. كما زعم أن تمويل المنازل والكهرباء والوقود والبنية التحتية يخفف الكلفة التي تتحملها البيئة الجنوبية، ويتيح للحزب تقديم نفسه على أنه الجهة التي تحافظ على "المقاومة" وتحمي المجتمع، فيما تتولى جهات خارجية تمويل جزء من آثار المواجهة. إلا أن التقرير لم يقدم أدلة على انتقال الأموال القطرية مباشرة إلى "حزب الله"، بل بنى استنتاجه على احتمال استفادة المنظومة الاجتماعية والسياسية المحيطة به من إعادة الإعمار غير المشروطة، وعلى صعوبة فصل نفوذ الحزب عن المجالس المحلية وشبكات الخدمات في عدد من مناطق الجنوب. أما في سوريا، فأشار التقرير إلى أن قطر تسعى إلى حجز موقع مركزي في الاقتصاد الجديد عبر الاستثمار في الكهرباء والغاز والطيران والنقل والاتصالات والمصارف. ووفق تقديرات شركة "كرم شعار" البحثية، بلغت قيمة الالتزامات المعلنة في نحو 40 مذكرة تفاهم وقعتها الإدارة السورية الجديدة مع شركات وائتلافات من دول الخليج وتركيا قرابة 25.9 مليار دولار. ومن ضمن هذا المبلغ، وقع ائتلاف قطري–تركي–أميركي تقوده شركة "UCC Holding" مذكرتي تفاهم بقيمة تبلغ نحو 11 مليار دولار، أي قرابة 43% من مجمل الالتزامات الاستثمارية المعلنة. وتشمل المشاريع بناء 4 محطات لتوليد الكهرباء ومحطة للطاقة الشمسية بقيمة تقارب 7 مليارات دولار، إلى جانب مشروع بنحو 4 مليارات دولار لتأهيل مطار دمشق الدولي وتوسعته. كما موّلت قطر تزويد سوريا بالغاز الطبيعي عبر الأردن، بما يسمح بإنتاج نحو 400 م