من غير المعقول تصوّر عدم وجود حسابات واقعية بالحدود الدنيا لدى "حزب الله" تحرم عليه أي تفكير انتحاري متجدد من خلال افتعال انزلاقات داخلية تودي به وبالبلاد إلى إشعال اضطرابات أمنية، على غرار تلك المحطات المشؤومة السابقة من مثل الاجتياح المسلح الدموي لـ بيروت الغربية في 7 أيار 2008، أو العراضات الترهيبية كتظاهرة القمصان السود أو سواها من ممارسات. فحتى مع بلوغ خطاب الحزب ذروة الإنكار القانوني والدستوري الموازي للإنكار الميداني لمجمل خلاصات الكارثة التي ضربته وتمددت إلى الجنوب كله مذ أشعل حربي الإسناد لـ غزة وإيران، فإن ذلك لا يدع المتفحص بدقة لأداء الحزب يسقط هامشاً من تحسّب لديه حيال القفز في آخر المقاتل الذي لن يكون بعده مقتل أخير. نعني بذاك الإنكار أن الحزب يتعامل مع قرارات وسياسات واتجاهات ووقائع عامين من عمر العهد الحالي والحكومة الحالية ومعهما البلد كله وعبره المجتمع الدولي بأسره، كأنها لم تكن. فلا هو يعترف بالمفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية وما نجم وينجم عنها، ولا اعترف بقرارات حصر السلاح والاجماع اللبناني والدولي عليها، ولا اعترف بسقوط حصانته وحمايته وميزاته التفاضلية التي أحكم تحتها وبفضلها سيطرته على دويلة التهمت الدولة بسبب لافتة خادعة سميت المقاومة، لتبرير امتلاكه ترسانة مخيفة أتاحت لـ إسرائيل الذريعة الكارثية لاحتلال جنوب الليطاني وتدميره. ولا اعترف بأن انتهاء تصنيفه كمقاومة يبيح مطاردته أمنياً وقضائياً كميليشيا تعمد إلى نقل المتفجرات واستباحة الأمن والطرق والمدنيين في أعمال تهدد حياة الناس والبلاد وتسخر من هيبة القوى الأمنية وسلطتها. وإذا كانت الشواهد المذهلة على الإنكار التراكمي هذا أكثر من أن تحصى وتعد فإن أشدّها إذهالا حيال منسوب التجاهل والإنكار والغطرسة في التعامل مع الدولة اللبنانية، يرد في عبارة "المناطق ذات الخصوصية الأمنية" التي ثبتها الحزب في إعلان تبريره لانفلات أنصاره وانفلاشهم في شوارع الضاحية لمحاصرة القوى الأمنية. كل ذلك يرسم السؤال الكبير هل بات الحزب على مشارف ارتكاب الخطأ الداخلي الأخطر والأخير، باستعادة نماذج من سيرته وتجاربه الأشدّ إثارة للمخاوف من فتنة داخلية أو صدام داخلي أو اضطرابات داخلية ظناً منه أنه يمنع المسار الحتمي الذاهب في اتجاه نهايته كهيكلية مسلحة عسكرية وأمنية ترقى إلى مستوى جيش، حتى من خلال ما تبقى لديه من ترسانة وعديد بشري من المقاتلين؟ على رغم عدم امتلاك أي جهة رسمية او سياسية او أمنية ، داخلا وخارجا ، القدرة القاطعة على الإجابات الحاسمة في تقدير ما سيلجأ اليه الحزب في حال نجح في افتعال صدام داخلي، فإن مؤشرات الممارسات التي تراكمت عبر سياسات الإنكار والإمعان في إظهار قدرته على فرض قوانينه، تعكس ضعفاً بنيوياً في الفعل وردّ الفعل لديه في مجمل هذه الممارسات. فالإكثار من تضخيم التبرير باللجوء إلى استعارات الزمن السابق للضربات التي مني بها الحزب، كما لقرارت الدولة الخاصة بحصرية السلاح وباعتبار الحزب العسكري خارجا على القانون، يعكس ارتجالاً سطحياً وليس "استراتيجية" انقلابية كاملة. يضاف إلى ذلك أمر محسوم هو أن من يدير الحزب منذ اغتيال زعيمه هو الحرس الثوري الإيراني، وعلى رغم تهور إيران في كل الاتجاهات فهي منعته منذ شهور عن إطلاق أي رصاصة في اتجاه إسرائيل، وتدرك تماماً أن محرقته الأخيرة تكمن في الداخل إن تمادى، ولا بأس بعراضات علّها تطيل زمن الإنكار إلى حين التسويات الكبرى أو الحروب الحاسمة في المنطقة.