كان من الطبيعي أن تتفاقم سياسياً وقضائياً وأمنياً مسألة ضبط شحنتي متفجرات للمقاومة في ظهر البيدر والبقاع، وضبط أدوية فاسدة والتعرّض للقوى الأمنية في منطقة غاليري سمعان، بعد قرارات الحكومة حظر الجناح العسكري لحزب الله وما سبقها وتلاها من قرارات حول حصر السلاح وغيرها من قرارات، ذلك ان السلطة اللبنانية اتخذت قرارها نتيجة التحوّلات والمتغيّرات الإقليمية التي جرت خلال السنوات الثلاث الماضية، وتُجاري بما تراه مناسباً هذه التحوّلات الجذرية التي طالت لبنان كما غيره من دول المنطقة. لكن ما فاقم الأزمة أكثر هو التدخّل الأميركي المباشر في قضايا داخلية لبنانية، ومحاولة فرض قرارات صارمة على السلطة اللبنانية تخدم التوجه الأميركي الجديد في لبنان بالتدخّل في كل شاردة وواردة وفي كل كبيرة وصغيرة. كان من الأجدى بالإدارة الأميركية التي تتبنّى كل مطالب وشروط وتوجهات كيان الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، أن تترك للمسارات الرسمية اللبنانية القضائية والأمنية المتشدّدة التي بوشر بها لمتابعة ملف المتفجرات لأن تأخذ مجراها القانوني، لا سيما لناحية توجه الحكومة لإحالة القضية على المجلس العدلي، كونها تمسّ الأمن القومي كما صرّح بالأمس وزير العدل عادل نصار مبيّنا الأسباب التي يراها موجبة لإحالة القضية على المجلس العدلي، وهو أمر من شأن الحكومة مجتمعة أن تقرر فيه وفق ما ترى مصلحة لبنانية لكن من دون إثارة مزيد من التوترات الداخلية، وهي سيدة نفسها وتُخضع كل أمر صغير أو كبير للنقاش داخل مجلس الوزراء وتتخذ القرار بشأنه، سواء حصل توافق أو لم يحصل. لكن اتصال وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو برئيس الجمهورية وتناوله مسائل المتفجرات وما تم إعلانه عن طلبه التشدّد في التحقيق ونشر نتائجه وأسماء من يقف وراء نقل المتفجرات ووجهتها وحصول واشنطن على التفاصيل كاملة، هذا عدا الاستثمار السياسي الأميركي والداخلي لمسألة المتفجرات لتوجيهها نحو احتمال أن يكون هدف نقل المتفجرات تنفيذ عمليات اغتيال سياسية في لبنان، أثار مزيداً من القلق والإرباك في القضاء أولاً وفي الشارع ثانياً. ثم تدخّله في ملف الإخبار بحق السفيرة ندى معوض بعد المعلومات عن اتصالها بالسفير الإسرائيلي في واشنطن للإطمئنان عن ابنه بعد تعرّضه لحادث دهس. هذا إضافة الى ما طالب به روبيو لبنان، ونقله السفير الأميركي ميشال عيسى لعدد من النواب على خلفية الشكوى ضد معوض، بإعداد اقتراح أو مشروع قانون إلى مجلس النواب لإسقاط قانون تجريم التعامل والتواصل مع الكيان الإسرائيلي، متجاوزاً الدستور اللبناني وكل القوانين اللبنانية وموقف أغلبية اللبنانيين، من قانون المقاطعة الصادر عام 1955، معتبراً أنه «يُستخدم بصورة متكررة في ملاحقات قضائية مسيّسة تعرقل اتخاذ خطوات باتجاه السلام، ومشدّداً على أن هذا القانون غير عملي». إضافة إلى قانون العقوبات اللبناني الذي ينص على معاقبة مَن يتعامل مع عدو لبنان، من دون أن يسمّي إسرائيل صراحةً. والأخطر من كل هذا، كما دعوة روبيو «إلى تواصل عسكري مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي لفض النزاعات وتجنّب سوء التقدير» كما قال، بما يعني تجاوز كل الأطر المعتمدة سابقا في التفاوض لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ونشر الجيش اللبناني، وتبنّي المزاعم الإسرائيلية بأن ما يقوم به الجيش اللبناني لا يكفي والمطلوب منه المزيد لضبط السلاح في الجنوب وكل لبنان، ولو أدّى ذلك الى صدام بين الجيش والمقاومة وبيئتها الحاضنة. ومن مؤشرات التدخّل الأميركي في كل المسائل حتى التنموية والاجتماعية والمعيشية منها، جولة السفير الأميركي عيسى قبل يومين على مطار القليعات في عكار للتأكّد من جهوزية تشغيله، وسط تساؤلات عن سبب الاهتمام الأميركي بتشغيل المطار والاطمئنان الى سلامة الاجراءات فيه، هل هو تمهيد لإحتمال استخدامه لأغراض عسكرية وأمنية أميركية في لبنان ولأي هدف عسكري أو أمني؟ كل هذا الضغط الأميركي المباشر على لبنان وفرض مزيد من المطالب والشروط تحت طائلة حجب الدعم، لن يؤدي في بلد مثل لبنان سوى الى مزيد من التأزّم وتصعيد التوتر الداخلي والانشغال بمشكلات داخلية عن مواجهة مشكلة الاحتلال الإسرائيلي، ومن دون التوصل الى نتائج تشتهيها الإدارة الأميركية. والحكمة إذا توافرت تفترض التعاطي مع مسائل لبنان بهدوء وترك المسار الرسمي الحكومي والنيابي والقضائي يأخذ مجراه، لا سيما وان السلطات اللبنانية السياسية والأمنية والقضائية باتت تتشدّد في ملاحقة كل مخالفة لتوجهاتها وقراراتها.