الزمن تغيّر والذاكرة لا تزال حاضرة (إنترنت) هل هناك من يجرؤ داخل "حزب الله" على مصارحة قيادته بأنّ الزمن تغيّر، وأنّ ما كان ممكنًا بالأمس لم يعد بالضرورة ممكنًا اليوم؟ وهل يدرك الحزب فعلا خطورة ما يلوّح به من مواجهة مع الدولة اللبنانية، وما قد يترتّب على أيّ محاولة جديدة لفرض إرادته في الشارع بقوّة السلاح؟ منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، مرورًا بالسابع من أيار 2008 حين دخل مسلّحو "حزب الله" إلى بيروت وفرضوا سيطرتهم على شوارعها، وصولا إلى تدخّله العسكري في سوريا إلى جانب نظام بشار الأسد، وما رافق تلك الحرب من قتل وتهجير ودمار، تراكمت أحداث لا يمكن محوها من ذاكرة اللبنانيين والسوريين. قد يعتقد "الحزب" أنّ السنوات كفيلة بجعل الناس تنسى، لكنّ الحقيقة أنّ تلك الذاكرة لا تزال حاضرة. فهناك لبنانيون وسوريون لم ينسوا ما حدث، وهناك مؤسسات في الدولة اللبنانية عاشت سنوات طويلة تحت وطأة وجود قوّة مسلّحة تنازعها سلطتها وقرارها. ومن الخطأ الاعتقاد أنّ الجميع سيبقى مستعدًا للتعامل مع أيّ مغامرة جديدة بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع مغامرات الماضي. بل إنّ هناك من ينتظر أن يرتكب "حزب الله" خطأً كبيرًا في حساباته، خطأً يضعه أمام واقع سياسي وعسكري مختلف تمامًا، وربّما أمام نتائج لم يكن يتصوّرها. والسؤال هنا بسيط: هل يعتقد "حزب الله" أنّه يستطيع تكرار السابع من أيار في عام 2026؟ ألا يوجد عاقل في صفوف "الحزب" يقول لقيادته إنّ الظروف التي سمحت بما حدث في بيروت عام 2008 لم تعد قائمة؟ ألا يدرك أنّ سوريا التي كانت تمدّه بالغطاء والدعم وتفتح أمامه الحدود لم تعد سوريا الأسد؟ وأنّ إسرائيل جنوبًا، وسوريا شرقًا، والقوى الرافضة لهيمنة السلاح في الداخل اللبناني، لكلّ منها حساباتها ومصالحها، وليس هناك ما يضمن أن تقبل هذه الأطراف بمحاولة جديدة للانقلاب على الدولة اللبنانية؟ المشكلة ليست فقط في التهديد بالنزول إلى الشارع، بل في العقلية التي تفترض أنّ السلاح يستطيع دائمًا فرض الحلول، وأنّ التلويح بالقوّة كافٍ لدفع الدولة إلى التراجع. هذه الحسابات قد تكون أخطر على "الحزب" نفسه ممّا يتصوّر. لنبدأ من سوريا. النظام الذي شكّل لسنوات طويلة سندًا سياسيًا وعسكريًا لـ "حزب الله" سقط، والحدود الشرقية للبنان لم تعد محكومة بالمعادلات السابقة. السوريون الذين شاهدوا مقاتلي "الحزب" يدخلون بلادهم إلى جانب قوّات الأسد لم ينسوا ما جرى في القصير وغيرها من المناطق. ومن السذاجة السياسية افتراض أنّ سوريا الجديدة ستتعامل مع أيّ تحرّك عسكري للحزب بالمنطق نفسه الذي حكم العلاقة في عهد النظام السابق. أمّا جنوبًا، فهناك إسرائيل التي تتابع تحرّكات "الحزب" وتملك حساباتها الأمنية والعسكرية الخاصة. وأيّ محاولة لتوسيع نفوذه بالقوّة داخل لبنان قد تضعه أمام معادلة أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا اعتُبرت تلك الخطوة تغييرًا في موازين القوى يمسّ أمن الحدود أو الاستقرار الإقليمي. وفي الداخل اللبناني، لا يمكن تجاهل حجم التغيير الذي طرأ على النقاش بشأن السلاح ودور الدولة. فالقضية لم تعد مجرّد خلاف بين فريقين سياسيين حول المشاركة في الحكم أو توزيع النفوذ، بل باتت مرتبطة بسؤال أساسي: من يملك القرار في لبنان؟ الدولة ومؤسساتها، أم حزب يحتفظ بترسانة عسكرية خارج سلطتها؟ هنا تحديدًا يجب أن تتوقّف قيادة "حزب الله" وتعيد التفكير. فماذا لو أخطأ "الحزب" في حساباته هذه المرّة؟ ماذا لو قرّر التحرّك عسكريًا لفرض شروطه على الدولة، ليكتشف أنّ الظروف الداخلية والإقليمية لا تسمح بتكرار ما حدث في الماضي؟ وماذا لو وجد نفسه أمام رفض داخلي واسع، وحدود شرقية لم تعد توفّر له الغطاء السابق، وحسابات إسرائيلية لا يستطيع التحكّم بها؟ هل فكّرت قيادته فعلا بما قد يحدث في اليوم التالي؟ لقد دفع اللبنانيون ثمنًا باهظًا منذ اغتيال رفيق الحريري، مرورًا بأحداث السابع من أيار، ثمّ الحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه. ولم يعد من حقّ أيّ جهة مسلّحة أن تتصرّف وكأنّ مستقبل لبنان ملك لها، أو أن تهدّد مؤسسات الدولة كلّما اتّخذت قرارًا لا يتناسب مع مصالحها. ولا بدّ هنا من التشديد على أنّ "حزب الله" ليس الطائفة الشيعية، وأنّ اللبنانيين الشيعة ليسوا مسؤولين عن كلّ قرار تتّخذه قيادته. فهم جزء أساسي من هذا الوطن، ومن حقّهم، كما سائر اللبنانيين، أن يعيشوا في دولة تحميهم، لا أن يبقوا أسرى حسابات عسكرية وصراعات لا تنتهي. أمّا الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية والقضائية، فهي ليست طرفًا في نزاع سياسي مع "الحزب"، بل مؤسسات الدولة التي يُفترض أن تخضع لها جميع القوى، من دون استثناء. وأيّ محاولة لمواجهتها أو فرض إرادة مسلّحة عليها ستطرح سؤالا يتجاوز الخلاف مع "حزب الله" إلى مستقبل الدولة اللبنانية نفسها.