في مدينة أنهكتها الظروف الاقتصادية وارتفعت فيها كلفة الإيجارات، لم يعد افتتاح محلّ جديد للزهور أمراً سهلاً. لكن محمد دكاك، الذي قضى 35 عاماً بتنسيق الورود، قرّر ألا يتخلى عن مهنته التي أحبّها، فبحث عن فكرة تخفّف عنه عبء الإيجار وتبقيه قريباً من الناس، ليجد الحلّ في مكانٍ غير تقليدي: سيارة تحوّلت إلى عربة ورد متنقلة. لم تكن الفكرة وليدة لحظة، بل جاءت بعد تفكير طويل وصعوبات متزايدة واجهها في موضوع استئجار المحالّ، بعدما ارتفعت الأسعار إلى مستويات جعلت الاستمرار في محلّ ثابت أمراً بالغ الصعوبة. يقول دكاك إن فكرة السيارة جاءت بعدما وجد نفسه أمام خيارين: إما أن يتوقف عن العمل، أو يبحث عن بديل أقلّ كلفة وأكثر قرباً من الزبائن. فاختار الطريق الثاني. من محلّ ثابت إلى عربة تجوب الشوارع عمل دكاك في تنسيق الزهور، وكان يمتلك محلاً في وقت سابق، لكنه مع ارتفاع الإيجارات لم يعد قادراً على تحمّل تكاليف محلّ جديد. عندها بدأ التفكير في مشروع مختلف، تكون فيه السيارة بديلاً من المحل، وتمنحه القدرة على الاستمرار من دون الوقوع تحت عبء الإيجار المرتفع. وفي حديث لـ"النهار"، يقول دكاك: "بعدما ارتفعت الإيجارات ولم أتمكن من استئجار محلّ، فكرت في بديل، وكانت السيارة هي الأقرب للناس. توقعت أن يحبّها الناس ويتقبّلوها". سيارة تبيع الورود في شوارع دمشق. وبالفعل، لم تكن السيارة بالنسبة إليه مجرد وسيلة للتخلص من الإيجار، بل تحوّلت إلى مساحة متنقلة تحمل معها الألوان والروائح والرسائل التي يختزنها الورد. يعرف دكاك أن تجارة الزهور ليست تجارة سهلة، فالهدر فيها مرتفع، والأرباح محدودة، ولذلك حافظ على سياسته التي اتبعها منذ كان يمتلك محلاً، وهي إبقاء الأسعار في متناول الناس قدر الإمكان. ويقول إن أسعاره كانت ولا تزال رخيصة، مؤكداً أن خروجه من المحلّ وارتفاع الإيجارات لم يدفعاه إلى رفع الأسعار، بل بقي متمسّكاً بفكرته الأساسية: أن يكون الورد متاحاً لأكبر عدد ممكن من الناس. ويضيف: "أنا بطبيعتي أسعاري رخيصة، ومن وقت ما كان عندي محل وأنا محافظ عليها. بحب العالم كلها تحمل ورد". فبالنسبة إليه، الورد ليس مجرد سلعة تُباع وتُشترى، بل شيء يمكن أن يصنع لحظة جميلة في يوم عادي، وأن يمنح شخصاً ما سبباً صغيراً للابتسام. في زمن التعب... الوردة رسالة محبّة وسط ضغوط الحياة والظروف الصعبة التي يعيشها كثير من الناس، يرى دكاك أن للورد دوراً يتجاوز الزينة والمناسبات. فالوردة، مهما كان سعرها بسيطاً، يمكن أن تحمل مشاعر كبيرة، وأن تكون وسيلة للتقارب والتودد والمصالحة والتعبير عن الحب. ويؤكد أن العلاقة بين الورد والمحبة بقيت وطيدة، ولم تستطع الظروف أن تلغيها. ومن خلال عمله، يلاحظ أن الوردة غالباً ما تكون بداية لحكاية صغيرة: شخص يشتريها لحبيبته، أو لصديقته، أو لأمّه وأبيه. وفي تلك اللحظة، لا تعود الوردة مجرد زهرة، بل تتحول إلى رسالة تحمل مشاعر قد يصعب التعبير عنها بالكلمات. ويقول إن تقديم الورد يخلق حالة من التودّد والتقارب، ويساعد الناس، ولو للحظات، على نسيان أوجاعهم وهمومهم. "هي وردة سعرها رخيص، لكن مفعولها كبير"، بهذه العبارة يختصر دكاك فلسفته في المهنة. ربما تبدو عربة الورد مشروعاً بسيطاً في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى صاحبها محاولة للجمع بين الاستمرار في العمل وتقديم شيء جميل للناس، في وقت أصبحت فيه تكاليف المحالّ عائقاً أمام كثير من أصحاب المشاريع الصغيرة. السيارة هنا ليست بديلاً من المحل فحسب، بل نموذج لفكرة يحاول من خلالها دكاك التأقلم مع الواقع الاقتصادي، من دون أن يتخلى عن مهنته أو عن الأسعار التي اعتاد تقديمها للناس. وانتشار عربات الورد المتنقلة، برأيه، يمكن أن يضيف مشهداً مختلفاً إلى شوارع المدينة، ويمنحها مزيداً من الألوان والحياة. دعوة لتنظيم عربات الورد ودعم المشاريع الصغيرة ويأمل دكاك أن تحظى هذه المشاريع باهتمام أكبر من الجهات المعنية، وأن توضع شروط واضحة وتُمنح تراخيص تسمح لعربات الورد المتنقلة بالعمل بشكل قانوني ومنظم. ويوجّه طلبه إلى الحكومة والجهات المعنية للنظر في دعم المشاريع الصغيرة، كما يطالب محافظ دمشق بتقبّل الفكرة ومنحه الموافقة اللازمة لممارسة هذا النشاط ضمن الشروط المحددة. ويرى أن كثرة عربات الورد في الشوارع لن تكون مجرد ظاهرة تجارية، بل يمكن أن تمنح المدينة طابعاً جمالياً مختلفاً، خصوصاً إذا جرى تنظيمها بطريقة تحافظ على المظهر العام وتراعي الشروط المطلوبة. باقة زرقاء من دمشق إلى قرّاء "النهار" وفي ختام حكايته، لم يكتفِ محمد دكاك بالكلمات، بل أراد أن يترك وردة تحمل رسالته بنفسه. فقام بتنسيق باقة ورد زرقاء وأهداها إلى جريدة "النهار" وإلى جميع متابعيها في العالم. باقة صغيرة، لكنها تحمل المعنى ذاته الذي دفعه إلى الاستمرار: الورد قادر على اختصار