بعض التيه قد يكون عبورًا نحو الذات (صورة AI) قد يُقال إنّ الخلق وُلد من فوضى كونية، فكيف تُولد الروح البشرية؟ أهي الفوضى التي تعيد خلقها من رمادها، وتمنحها معنى جديدًا، أم أنّ الصمت هو ما يجتاح مسرح الحياة، فيترك الإنسان وحيدًا أمام أسئلته؟ ما الفوضى؟ أهي فوضى الكلمات حين تتزاحم فلا تجد طريقها إلى البوح، أم فوضى الأفكار حين تتنازعنا الاحتمالات؟ أم هي ذلك الجمع الإنساني من حولنا، الذي يملأ المكان ويضاعف شعورنا بالوحدة وسط المعمعة؟ وشتّان بين فوضى الفكر وفوضى البشر؛ فالأولى قد توقظ فينا بصيرة، أمّا الثانية فقد تُتعب الروح حين لا نجد بين الوجوه من يصغي حقًا. حين تجتاح الذهنَ دواوينُ من التساؤلات، ويقع الإنسان في دوّامة التفكير المفرط، نظنّ أنّنا تائهون. لكنّ بعض التيه ليس ضياعًا خالصًا؛ قد يكون عبورًا شاقًا نحو الذات. فمن غزارة التأملات يولد الإبداع، وعلى أطلال تأوّهات النفس تتشكّل المعاني التي لم نكن لنراها في أيام الطمأنينة. أحيانًا لا تكشف لنا الحياة حقيقتها إلا بعدما تربك ترتيبنا للأشياء. لعلّ هذه المعاني تنبع من تاريخ عشناه: من نضالات تركت فينا حذرًا، ومن خيبات جعلتنا نراجع أفكارنا وأحاسيسنا. أضعنا أنفسنا بين ما تمنّيناه وما حدث، وبين ما كان ينبغي أن يكون وما استطعنا احتماله. ثم، في قلب المعمعة، بدأنا ننظر بعمق أكبر؛ لا لنرى ما حدث فحسب، بل لنفهم ما تركه فينا. وهكذا قد يتحوّل الضياع إلى وعي، والوعي إلى قرار مصيريّ يعيد رسم الطريق. لا لأنّ الجراح كانت جميلة، بل لأنّنا تعلّمنا أن نصغي إلى ما كشفته فينا. عندها تصبح فوضى الفكر وضوحًا يولد ببطء، ويخفت ضجيج العالم من حولنا. فالمعنى لا يمحو الفوضى دائمًا؛ أحيانًا يعلّمنا كيف نعبرها، وكيف نلتقط من بين حطامها جزءًا من أرواحنا، ثم نبدأ من جديد. ولعلّ أعمق ما تمنحنا إياه الفوضى أنّها تجرّدنا من يقين مستعار، وتضعنا أمام حقيقتنا بلا زينة. هناك، حيث تتساقط الإجابات الجاهزة، نتعلّم أن نختار ما يشبهنا، وأن نصنع من هشاشتنا بدايةً لا هزيمة. وهذا شكل آخر من النجاة.