فرنسا... هل تُطفئ أوهام الاندماج أنوار الجمهورية؟ لا يفوّت المهاجرون فرصة للتعبير عن كراهيتهم تجاه الغرب (رويترز) استفاق الفرنسيون صباح أمس على نتائج سياسات الهجرة والاندماج الأيديولوجية المدمّرة التي انتهجتها النخب السياسية والأكاديمية الفرنسية على مدى عقود. فقد شهدت المدن الكبرى في أنحاء البلاد يوم السبت أعمال تخريب وشغب وعنف ونهب واسعة النطاق تحت ذريعة الاحتجاج على الأوضاع المعيشية وأحوال المدارس الرسمية، ما أسفر عن خسائر تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات، إن لم نقُل المليارات. كالعادة، كان المهاجرون من أفريقيا والشرق الأوسط والأجيال المتحدّرة منهم، إلى جانب "الأغبياء المفيدين" من اليسار المتطرّف، المحرّكين الرئيسيين للشغب الغوغائي. ففي كلّ مرّة تخرج تظاهرات سلمية تحمل مطالب مشروعة، يستغلّها هؤلاء لإفراغ مكنونات قلوبهم الممتلئة بالكراهية الدينية والعرقية والثقافية تجاه الغرب عمومًا وفرنسا خصوصًا. تعود المأساة التي تعيشها "بلاد الأنوار" إلى نظرية "المجتمع المتعدّد الثقافات" التي قضت بالسماح لملايين المهاجرين من دول العالم الثالث بالمجيء إلى فرنسا، على أساس أن جميع البشر حول العالم يتوقون إلى مبادئ الثورة الفرنسية، ما يعني أنه يُمكن نظريًّا دمج أي شخص في المجتمع الفرنسي مهما كانت الثقافة التي تربّى عليها. لكن تُثبت الأعمال الغوغائية التي يقوم بها المهاجرون الشرق أوسطيون والأفارقة من الأجيال الثانية والثالثة والرابعة، في كلّ فرصة تسنح لهم، الفشل الذريع لهذه النظرية. فقد تبيّن بكلّ بساطة أن هناك بعض الحضارات التي تتناقض جذريًّا مع الحضارة الغربية، ما يجعل من عملية اندماج المهاجرين المنتمين إلى تلك الحضارات في الغرب أمرًا شبه مستحيل. لا يقدّر المهاجرون من دول العالم الثالث والأجيال المتحدّرة منهم الحرّيات الفردية التي ينعمون بها في فرنسا والغرب. فهم يستغلّون القدرة على التظاهر والتعبير عن الرأي بحرّية من أجل ارتكاب أعمال شغب وتخريب وسطو على المحال التجارية، فضلًا عن الاعتداء على أملاك خاصة وعناصر الأمن والشرطة والمواطنين الرافضين لغوغائيّتهم. كما لا يقدّر هؤلاء الخدمات المجانية التي تقدّمها لهم الدولة، رغم أن مساهمتهم في دفع الضرائب أقلّ بكثير من مساهمة باقي الفرنسيين. وجسّدت مشاهد حرق المدارس وتكسيرها والاعتداء على العاملين فيها الجحود الذي يكنّه مهاجرو دول العالم الثالث والأجيال المتحدّرة منهم للدولة الفرنسية التي قدّمت لهم أمورًا لم يكونوا ليحلموا بالحصول عليها في بلادهم الأم. لا تقتصر مسؤولية الفوضى التي تشهدها فرنسا على المهاجرين الشرق أوسطيين والأفارقة والمتحدّرين منهم، إذ يلعب اليسار الفرنسي المتطرّف بتياراته المختلفة دورًا بارزًا في هذا الصدد، وفي مقدّمتها حزب "فرنسا الأبية" بزعامة المرشّح للانتخابات الرئاسية جان لوك ميلانشون. ويعود ذلك إلى اعتقاد اليساريين الراديكاليين بأنهم يستطيعون استغلال كره مهاجري دول العالم الثالث للأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فرنسا عبر التحالف معهم من أجل إسقاط تلك الأنظمة واستبدالها بالأنظمة الأيديولوجية اليسارية المتطرّفة التي يؤمنون بها. المشكلة في هذه المقاربة تكمن في أنها تفترض أن المهاجرين الأفارقة والشرق أوسطيين والأجيال المتحدّرة منهم سيقبلون بالعيش ضمن الأنظمة اليسارية البديلة للأنظمة القديمة، ولن يتمرّدوا عليها من أجل فرض تصوّراتهم الخاصة عن المجتمع والسياسة والاقتصاد، والتي غالبًا ما تستند إلى أيديولوجيات إسلامية تتناقض إلى حدّ بعيد مع الأيديولوجيات اليسارية. رغم فظاعة أعمال التخريب والشغب التي شهدتها فرنسا أخيرًا، يُمكن رؤية بصيص من النور في نهاية النفق. فالفوضى التي عمّت البلاد عزّزت أكثر حظوظ مرشّحة اليمين الحازم للانتخابات الرئاسية مارين لوبن، التي تدعو منذ سنوات إلى فرض قيود صارمة على الهجرة والتعامل بحزم مع المجتمعات غير الراغبة في الاندماج في المجتمع الفرنسي. ويأتي صعود اليمين الفرنسي الحازم في ظلّ صعود اليمين في أنحاء الغرب، نظرًا إلى أن معظم الدول الغربية تعاني، مثل فرنسا، من مشكلتي الهجرة والاندماج. وكان لافتًا ربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس أعمال الشغب في فرنسا بالهجرة من دول العالم الثالث، ما يرجّح أن تنال لوبن دعمًا سياسيًّا من البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية المقرّر إجراء الجولة الأولى منها في 18 نيسان المقبل.