يجبرنا عقل العويط على أن ننظر في وجه الحقيقة (صورة AI) في زمن كالذي نعيشه، حيث الحروب والمآسي وسقوط القيم وتبلّد الضمير الإنساني، لا نستغرب أن يمتشق عقل العويط قلمه كالخنجر، ويغرسه في جسد هذا العصر، ليكتب مرثية الإنسان، بل مرثية الحضارة بأكملها. "كحياة في الجحيم" (دار رياض الريّس للكتب والنشر) يضع الناقد أمام تحدٍ حقيقي، فأنت لا تدخله من دون أن تكون لديك الجرأة على السقوط مع الشاعر في جحيم الذات والشعر والعالم، بل المصير الإنساني برمّته. لكن من قلب هذا الجحيم تنبثق لغة جديدة، لا تشبه ما قبلها، حيث تكون الكلمة حضورًا حيًّا وكثيفًا ووازنًا في مناخ عامّ سمته انعدام الوزن والتشتّت والضياع. هي قصائد تحبس الأنفاس، وتجرفك كالسيل الهادر، مكتوبة على إيقاعات الغضب والتمرّد والكبرياء والفجيعة، ووليدة معاناة روحية وجسدية في آنٍ واحد، وتجربة تختبر العالم بالإحساس والإدراك والحواس. وهنا يكمن جوهر الأصالة، التي يمكن تعريفها بأنها الصدق مع الذات حتى حدّ الجرح. ندخل الديوان من بوابة قصيدة افتتاحية ترسم المعالم الأساسية للكون الشعري الذي يتشكّل رويدًا رويدًا، قصيدةً تلو أخرى، وفق بنية متماسكة ملوّنة بالأسود والدم. يسلّمنا الشاعر، ونحن على العتبة، "مفتاح" القراءة: "هي لعنة/ هي حياتك/ وقصيدة". معادلة ثلاثية تتماهى فيها الحياة بالقصيدة وباللعنة. كأن الشاعر يعلن منذ البداية نسبه: عائلة من الشعراء والكتّاب الملعونين، أمثال رامبو وبودلير وأرتو والمعرّي وغيرهم. "خارج الجاذبية" عنوان معبّر عن حالة من السقوط الحرّ يعيشها الشاعر، ومعه العالم من حوله. كل شيء متزعزع ومتخلخل، وحده الوعي الحزين ثابت، ضارب جذوره في ذات الشاعر الذي يطرح على نفسه الأسئلة الكبرى: سؤال الهوية، وسؤال المصير، مصير الشعر ومصير العالم، وسؤال المعنى. تتأرجح الهوية بين حدّين: هوية شعرية زئبقية، متحوّلة وسرّية، لا تُفكّ ألغازها، كحال كل ما هو متسامٍ: "وأنت أنت/ ولسوف لن يصفك وصف... ولسوف لن يحصيك كتاب حديث أو عتيق/ ولا عمر/ بل الشعر"؛ وهوية ذاتية تتمثّل بالأنا الفردية، التي يحفر فيها الألم عميقًا حتى الموت: "ها هو قلبك ها هو قبرك". الرؤيا أبوكاليبتيكية، تذكّر بلوحات الرسام الهولندي جيروم بوش، في القرن السادس عشر، حيث العفاريت والكائنات الغريبة والأشكال المرعبة، في إشارة إلى قوى الشرّ الكامنة في الإنسان. في القصيدة-المتاهة، ما من بوصلة، بل "نجمة دامية" ووحوش من معدن تفتك بالمسافر، وما من تعويذة ضد "آفة الخديعة"، بل "آيات سود"، و "سكين يحزّ نسيج الروح، يجزّ العنق"، و "حشرات" و "ديدان" و "جرذان" و "أوبئة"، و "هلوسات" و "هذيانات" تحاصر القارئ من كل صوب. كلمات وصور لا تنهمر كالمطر، بل تسقط كرصاص ينطلق من فوهة رشاش. يصدمنا عقل العويط، ويقتلعنا من طمأنينة كاذبة، ويجبرنا على أن ننظر في وجه الحقيقة: حقيقة وطن يُدمَّر، وشعب يُساق كقطيع إلى حتفه، وبلد ينخر فيه السوس، وشرق تتناهشه الذئاب وتتنازعه الطوائف والقبائل والملل، وزمن متوحّش، يكون فيه البشر قرابين على مذابح آلهة المال والأسلحة الفتّاكة. لكنه يعرف، في الوقت نفسه، كيف يستخرج من القبح والعنف والرعب الدهشة الشعرية، وهنا يكمن سرّ الإبداع. من قلب الفجيعة والموت والانكسار والخراب تصعد اللغة؛ يغيب "الكائن الميت" ليحضر النص. الكتابة محو للأنا واختبار للموت، كي يولد الكيان الشعري. هنا يكمن سرّ التميّز في لغة الديوان: "ولسوف نصًا تكون بعد اختفائك، بعد انسحابك إلى الفراغ المنتظم، كلغة تشتغل وحدها احتجاجًا على انكفاء صاحبها". يكتب عقل العويط شعرًا خالصًا، يريده هو الحياة. لكن هل يكون الخلاص بالشعر؟ في أحد نصوصه النثرية، عبّر الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه عن اعتقاده بإمكانية وجود كتاب جامع، هو "الكتاب" بالمطلق، الكتاب الأوحد الذي تجتمع فيه كل المعارف الإنسانية، ويشارك في صناعته كل المبدعين في مختلف الأزمنة والعصور، ليقدّم تفسيرًا للغز الوجود. وفي ذلك إعلان إيمان بقدرة الفن. أما عقل العويط، فيستدعي، في قصيدة بصرية يتكامل فيها الصوت والضوء والحركة والإيقاع، عنوانها "يمرّون في لحظة واحدة"، مواكب الشعراء والرسامين والموسيقيين والروائيين والمسرحيين والفلاسفة والمتصوّفة والقديسين والمغامرين في سبر أسرار الفضاء، يحاول كلٌّ منهم، على طريقته، أن يدقّ أبواب المستحيل، فلا يجيبه إلا الصدى. يتحرّكون في فضاء مغلق، ويتقدّمون، لكن باتجاه العدم، كأن الفن ليس سوى وهم يصرّون على اعتباره حقيقة، لا لشيء إلا ليتمكّنوا من الاستمرار في المحاولة. يصبح الفن علّة الوجود، وإن ظلّ عاجزًا عن أن يمنحه معنى أو أن يحرّر الإنسان من مأساوية الشرط البشري. ولعلّ ذلك ما يفسّر تكرار "لن" و "لسوف لن" لازمةً في القصائد، إيذانًا بالفشل وانسداد الأفق. يمرّ الموكب تباعًا أمام مشاهد، ف