إنّ الإخفاق في ممارسة الحياة السياسية وفقاً للدستور، ناهيك عن فشل أمراء الحرب في تثبيت الطائف كعقد اجتماعي سياسي وتحويله إلى عقود محاصصة، وممارسة السلطة بغطاء من الوصاية تحت حجّة الاحتلال، إشكاليّات أساسية مزمنة تدفع أحزاباً ومراجع ومجموعات ضغط للبحث عن نظامٍ سياسيّ جديد. والموجع أنّ الإحباط والشعور بعدم المساواة في المواطنة يدفعان جماعات إلى التفكير بالفيدرالية للاحتماء بنظامٍ يحفظ الخصوصيّة ويعطي هامشاً من الحوكمة ويحفظ موارد هذه الجماعة وعدم تجييرها. يُضاف إلى هذه المعضلة المطالبة بحياد لبنان، بسبب تنازل الدولة في عدّة حقبات عن قرار الحرب والسلم، وتجيير مهامّ دفاعية وأمنيّة لميليشيات تورّط البلاد في حروبٍ خاسرة ومدمّرة خدمة لمحاور وأنظمة أجنبيّة. للأسف، إنّ الأمور التي يعاني منها المواطنون هي نفسها التي تشكّل العائق الأكبر، أكان لتطبيق النظام الفيدرالي، أم لإعلان حياد لبنان. ويستحيل حالياً فَرْمَتَة (Formatting) أذهان كلّ اللبنانيين ليصبحوا يُعلُونَ المواطنة على الانتماء الطائفي أو السياسي. أوّلاً: عوائق تطبيق الفيدراليّة في لبنان يصطدم تطوير النظام السياسي بعقبات سوسيولوجيّة وسياسية ودستورية وقانونيّة. من الأمور التي تجعل اعتماد الفيدرالية بعيد المنال هو عدم القدرة لتاريخه على البدء حتّى بتنفيذ اللامركزية الإدارية الموسّعة التي نصّ عليها اتفاق الطائف، كتسوية حلّ وسط ما بين طرح نظام الدولة الموحّدة ومطالبة البعض بتطبيق الفيدراليّة. إنّ مناصري الفيدراليّة يعانون من سوء إدارة الدولة اللبنانية لعدّة ملفّات، أبرزها سياسة الدفاع الوطني، والسياسة الخارجية، والحوكمة الماليّة. إلّا أنّه وفي النظام الفيدرالي، فإنّ هذه الوظائف تبقى في يد الحكومة المركزيّة وتخرج عن نطاق صلاحية الوحدات الفيدراليّة. وبالتالي، لن تشكّل الفيدراليّة الحلّ الأمثل لهذه المشاكل، ولن يُكْسِبَ أيّ نظامٍ فيدرالي الوحدات صلاحيات مستقلّة تتعلّق بهذه الشؤون السيادية. فمن الإشكاليات العقيمة إشكالية احتكار القوة المسلّحة (Monopoly of Violence). ينصّ القانون الدستوري على أنّ السلطة الاتحادية المركزية يجب أن تحتكر حصرياً الشؤون الدفاعية وقرارات الحرب والسلم (Jus belli et pacis). إنّ وجود تنظيمات مسلّحة غير نظامية وتتمتع بالاستقلاليّة خارج إطار الدولة يتناقض مباشرة مع شرط وجود دولة اتحادية تمارس سيادتها الكاملة. ونصبح بالتالي أمام فيدرالية الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانيّة، وهذا نقيض لمفهوم الدولة، حيث لكلّ محافظة جيشها الخاص ذو عقيدة خاصّة. فضلاً عن أنّ احتكار الدولة الفيدرالية للقوّة المسلّحة قد يصطدم بالقوى الإقليمية التي تطمح إلى أن يستمرّ لبنان ساحة نفوذٍ خارجيّ. علاوةً على ذلك، إنّ الديمقراطية اللبنانية، وللأسف، تحوّلت إلى ديمقراطية إجماعيّة وليس فقط توافقيّة، فأيّ مشروع سيكون مرشحاً للسقوط لعلّة الميثاقيّة ولو حصد الأغلبية التي نصّ عليها الدستور. وحسب الواقع السياسي الراهن، حيث كلّ فريق يرى مصير الدولة من نافذته وفقاً لمصالح أتباعه، إنّه من الصعب الوصول إلى إجماعٍ وطني عابر للطوائف وتوافق مجتمعي واسع (Consensus) حول تغيير شكل النظام. وبينما تُطرح الفيدرالية بشكلٍ أساسيّ من قبل أحزاب أو جماعات مسيحية، تُجابه برفض وشكوك عميقة من مجموعة واسعة من المسيحيين، ومن أغلبيّة القوى السنية والشيعيّة التي تراها مقدمة لتقسيم البلاد وانقلاباً على الطائف، أو عائقاً أمامها لاستلام السلطة على كامل الدولة وفقاً للمعايير الديمغرافيّة وحجم القوّة العسكرية. أمّا المعركة الأصعب فستكون على توزيع الصلاحيات في الحكومة المركزيّة، ونكون قد عُدنا إلى نقطة الصفر. إنّ تقسيم الوحدات الفيدرالية على أساس جغرافي سيؤدّي إلى إخضاع أقليّات لنظام لم يختاروه، وسيؤدّي إلى تسعير النعرات الطائفية. إنّ التداخل الجغرافي والديمغرافي قد يصطدم بمشكلة الجيوب الطائفية (Enclaves Problem) بخلاف الفيدراليات التي قامت على اتحاد أقاليم أو كانتونات محدّدة جغرافياً (مثل سويسرا). فالمكوّنات الطائفية اللبنانية تتميّز بالتداخل السكاني في معظم المناطق. لذا فإن أيّ ترسيم للحدود الإدارية بين المحافظات أو الكانتونات سيؤدي حتماً إلى نشوء جيوب طائفية معزولة داخل أقاليم أخرى، وما يرافق ذلك من اضطرابات سكّانية ونزاعات على الحدود الإدارية. ومن الإشكاليات المتعلّقة بالتداخل الديمغرافي وجود المهجّرين السوريين وأزمة اندماجهم في المجتمع اللبناني وقضيّة تجنيسهم، مع الأخذ بعين الاعتبار حجمهم في الاقتصاد اللبناني ومدى تأثيرهم على الانتظام العام. قد يصطدم تطبيق الفيدرالية في لبنان بمعضلة التفاوت الاقتصادي والمالي بين الكانتونات، إذ تتمركز الإيرادات الضريبية والمرافق الحيوية بشكلٍ غير متكافئ في مناطق مثل جبل لبنان وبيروت الكبرى م