على امتداد الأسبوع الماضي، شارك لبنان في جلسات الاجتماعات السنويّة التي ينظّمها البنك الدولي وصندوق النقد في بانكوك، بوفدٍ ترأسه وزير الماليّة ياسين جابر، وبمشاركة وزير الاقتصاد عامر البساط وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد ورئيس لجنة الرقابة على المصارف مازن سويد. أهميّة النقاشات التي جرت، تكمن في كونها تستبق زيارة بعثة الصندوق المقبلة إلى بيروت بين 9 و13 تشرين الثاني المقبل، والتي يفترض أن تستكمل البحث التقني في تفاصيل مشروع قانون الفجوة الماليّة والإطار المالي المتوسّط الأجل، ما سيحدّد وتيرة التقدّم نحو الاتفاق النهائي مع الصندوق. كما تمحور جزء أساسي من البحث حول المشاريع الجديدة التي يمكن أن يموّلها البنك الدولي، وخصوصاً تلك الموجهة لدعم التعافي الاقتصادي والقطاع الخاص. الإصلاحات والاتفاق مع الصندوق على مستوى مسار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، حمل الوفد اللبناني إجابات لطمأنة المجتمع الدولي، بخصوص مصير التعديلات على قانون إصلاح المصارف، التي أقرّها البرلمان اللبناني وطعن بها مؤخّراً رئيس الجمهوريّة جوزاف عون. إذ أشار الوفد إلى أن نطاق الطعن محصور بجانب محدّد من القانون، وهو المادّة الثالثة التي تحدد أهدافه، من دون أن يطال ذلك استقلاليّة أو صلاحيّات الهيئة المصرفيّة العليا التي ستبت لاحقاً بمصير كل مصرف في ضوء نتائج التدقيق. كما لن تطال نتائج الطعن -بحسب الوفد اللبناني- أدوات تسوية أوضاع المصارف، التي ستخصع لعمليّة إعادة الهيكلة. ومع ذلك، ظلّت هناك تساؤلات لدى الأوساط الدوليّة والدبلوماسيّة حول إمكانيّة توسّع المجلس الدستوري في دراسة القانون المُقر، ما قد يُبطل مروحة واسعة من بنود القانون، وبما يتجاوز نطاق الطعن المقدّم من قبل الرئيس. مع الإشارة إلى أنّ المجلس الدستوري يملك، عند تلقيه أي طعن، صلاحيّة مراجعة مختلف جوانب القانون، ومن دون التقيّد بحدود الطعن المقدّم إليه. ولهذا السبب، طُرحت هواجس إزاء احتمال تكرار سيناريو العام 2025، حين أصدر المجلس الدستوري قراراً قضى بإبطال فقرات كاملة من قانون إصلاح المصارف، ما فرض العمل على التعديلات التشريعيّة التي يُنظر بشأنها اليوم مرّة أخرى لدى المجلس الدستوري. بين هواجس المجلس الدولي، والإجابات المُطمئنة التي حملها الوفد اللبناني، سيبقى هذا الملف معلّقاً بانتظار صدور قرار المجلس الدستوري، على أن ينظر صندوق النقد لاحقاً في تأثير إجابة المجلس الدستوري -في حال عدم رد الطعن- على المُسار المُخطط له لإعادة هيكلة القطاع المصرفي. وفي حال أبطل المجلس الدستوري فقرات إضافيّة، بما يعطّل هذا المسار، سيكون على الحكومة اللبنانيّة العمل مجدداً على مشروع قانون جديد لترميم هذا الإطار التشريعي، كما فعلت سابقاً بعد قرار العام 2025. على مستوى مشروع قانون مشروع قانون الفجوة الماليّة، عرض الوفد اللبناني نتائج العمل الذي جرى ما بين وزارة الماليّة ومصرف لبنان لمراجعة المشروع على ثلاث مستويات: أدوات تسوية أوضاع المصارف وإعادة رسملتها، وكيفيّة التعامل مع التزامات الدولة لمصلحة مصرف لبنان، وإدارة السيولة المتاحة خلال المرحلة المقبلة. ومن المعلوم أن النقاشات تركّزت خلال الفترة الماضية حول الآليّة التي سيتم اعتمادها لتعديل وتحديث مشروع القانون، حيث تراوحت الخيارات ما بين استرداد مشروع القانون من الحكومة لإعادة صياغته، أو تعديله داخل البرلمان خلال مناقشات اللجان النيابيّة. وبحسب المناقشات التي حصلت في بانكوك، يبدو أن النقاش استقرّ على إعداد ملحق للمشروع يتضمّن خلاصات العمل ما بين وزارة الماليّة ومصرف لبنان، لإرساله إلى مجلس النوّاب. وبذلك، يمكن تفادي هدر الوقت الذي سيستلزمه استرداد القانون ومناقشته من جديد في الحكومة. على مستوى النقاشات مع البنك الدولي، تركّز البحث على المشاريع الجديدة التي يمكن تمويلها خلال المرحلة المقبلة. ومن هذه المشاريع مثلاً إعادة توجيه جزء من التمويلات المتاحة للبنان، لتوفير قروض صغيرة للأسر، لتجهيز أنظمة طاقة شمسيّة منزليّة. وبهذا الشكل، يمكن للبنان أن يستخدم هذا التمويل لتخفيض كلفة استيراد المحروقات، وبآليّات تكفل رد قيمة قروض البنك الدولي لاحقاً من المستفيدين، بدل استخدام هذا التمويل في مشاريع تُحمل الخزينة العامة كلفة سداد القروض الخارجيّة. وفي الإطار نفسه، كان النقاش حول إنشاء صندوق إئتماني "لا يحمّل الدولة اللبنانيّة ديوناً عامّة جديدة"، بل يوفّر قروض ميسّرة للمؤسسات الصغيرة والمتوسّطة الحجم. أمّا أي تمويل مباشرة للماليّة العامّة، فسيبقى مربوطاً بإنجاز الاتفاق مع صندوق النقد، وهو ما يضمن أن تندرج هذه القروض لاحقاً ضمن الإطار المالي المتوسّط الأجل، الذي سيحدّد خطّة الدولة الماليّة للسنوات الخمس المقبلة، كما يضمن أن تبقى قيمة الديون العامّة ضمن سقف قابل للاستدامة على المدى البعيد. في