إن كنتُ من التراب وإلى التراب أعود، أفلا يمكن أن يكون هذا التراب من طينتي... ناطقاً؟ سؤال يبدو صوفياً أكثر منه علمياً، وربما لهذا السبب يُخيفني. فنحن أبناء مادة هذه الأرض: الحديد في دمائنا صيغ في نجوم ماتت، والماء في أجسادنا دار في بحارها وسحبها وأنهارها قبل أن نولد بزمن لا حيلة لنا في تخيله. ثم نقف فوقها، بكبريائنا البشري، ونسألها، كأننا غرباء عنها: "هل أنت حية؟". منذ طرح جيمس لوفلوك ولين مارغوليس "فرضية غايا"، ما عدت أستسهل النظر إلى الأرض بوصفها مسرحاً صامتاً تدور عليه حبكة الحياة. فرضيتهما لا تقول إن للكوكب عقلاً أو إرادة، إنما غايتها ما هو أدق وأخطر: تدخل الكائنات الحية والمحيطات والغلاف الجوي والصخور في منظومة من التفاعلات تجعل الأرض قادرة، ضمن حدود طبعاً، على تنظيم بعض الشروط التي تسمح للحياة بالاستمرار. ماذا لو بدأت الأرض تسلك سلوكاً قائماً على أنها لم تعد تحتاج إلينا؟ هنا بالذات تبدأ المشكلة، لأن النظام الذي يستطيع أن يستجيب، ويتكيّف، ويعيد ترتيب نفسه، يبدو لنا أحياناً قريباً بصورة مزعجة مما نسميه "سلوك": الغابة لا تفكر لكنها تصنع مناخها؛ المحيط لا يقرر لكنه يمتص الحرارة والكربون ثم يعيد إلينا نتائج ما خزّنه؛ الجليد لا يغضب لكنه حين يختفي يترك مكانه سطحاً داكناً يبتلع مزيداً من الشمس؛ التربة التي نسحقها تحت أقدامنا ليست مادة ميتة، بل هي عالم كامل من الكائنات والتفاعلات التي تحمل – حرفياً - نطفة وجودنا. حتى الساعة، ما ملك العلم دليلاً على أن الأرض "واعية"، فنحن ربطنا الوعي دائماً بالفرد، بالدماغ، بالعين التي ترى، بالذاكرة التي تتذكر. لكن الطبيعة حبلى بأنظمة لا يمتلك أي جزء منها الصورة الكاملة، ومع ذلك تتصرف كوحدة واحدة: مستعمرة نمل، أسراب طيور، غابات مطيرة. ولا أجرؤ على السؤال: "ألا يمكن أنها تشعر بالألم عندما نحرق غاباتها أو نطمر بيوت النمل في جوفها أو نصطاد طيورها في أوان هجرتها؟"، لكنني بدأت أعتقد أن هذا السؤال نفسه ينطوي على شيء من غروري. فلماذا يجب أن تشعر الأرض مثلي حتى أعترف بأن لها وجوداً يتجاوز كونها مورداً لي ولأترابي من أولاد آدم؟ فقد غيّرنا كيمياء الغلاف الجوي، وسخّنّا المحيطات، ودفعنا أنواعاً حية كاملة إلى الانقراض، ثم فوجئنا حين بدأت منظومات الكوكب تتغير، فبادرنا إلى تلطيف الجريمة اخترعنا بكلمة "أزمة بيئية"، وكأن المسألة خلل يمكن إصلاحه بقرار إداري. ونسمي ما يحصل "تغيراً مناخياً"، لأن العبارة علمية ومحايدة، تمتص ذلّنا. هذه الأرض مرت بخمس موجات انقراض كبرى قبل أن أظهر فيها، أنا الإنسان. الحياة انكسرت، ثم عادت في أشكال أخرى. وهذه، بالنسبة إليّ، هي الفكرة الأكثر إشعاعاً والأشد ظلمةً. نقول إن علينا "إنقاذ الكوكب"، والحقيقة أن الكوكب لا يحتاج إلى إنقاذنا له. لقد عاش قبلنا مليارات السنين، وسيعيش بعدنا مليارات أخرى. هذه الأرض لا تشعر بنا إطلاقاً، وربما تلك هي الكارثة الحقيقية. فأقسى احتمال ليس أن يكون للكوكب وعي فيغضب منا، بل أن يكون بلا غضب ولا كراهية ولا شفقة، فيعيد ترتيب نفسه وفق قوانينه القديمة، بهدوء كامل، بينما نكتشف متأخرين أن الطبيعة لم توقّع معنا يوماً عقداً يضمن بقاءنا. فماذا لو بدأت الأرض تسلك سلوكاً قائماً على أنها لم تعد تحتاج إلينا؟ فنحن من ترابها، نعم. لكن ما عاد هذا التراب يعدنا بالخلود.