في آب/أغسطس من العام 2023، انزلقت شاحنة مدنية كانت تنقل سلاحاً لـ “حزب الله” في محلة “الكحالة” بالقرب من العاصمة اللبنانية. وعلى الأثر، تعرضت الشاحنة — بعد انكشاف محتوياتها — لرشق بالحجارة من أهالي المحلة، ثم تطور الأمر إلى إطلاق نار بين الأهالي ومرافقي الشحنة، أدى إلى مقتل مواطن لبناني وأحد مرافقي الشحنة من عناصر الحزب. وكان الأمر ليمرّ بشكل عادي، لولا أن الجيش اللبناني تلقّى الأوامر بتطويق المكان وسحب عناصر الحزب، ثم استخدام معداته لإفراغ السلاح من الشاحنة المنزلقة وتسليمه لاحقاً للحزب بحجة “ضرورات المقاومة“. الأمر نفسه تكرر قبل أيام، ولكن على حاجز للقوى الأمنية في محلة ضهر البيدر؛ حيث أوقف عناصر الحاجز شاحنة مدنية تنقل أيضاً أكثر من 700 كيلوغرام من المواد المتفجرة من أنواع مختلفة. وتمت مصادرة المتفجرات بأمر من النائب العام، وتوقيف ناقليها وإحالتهم إلى القضاء المختص. تحدثت معلومات غير مؤكدة عن أن قادة أجهزة أمنية طالبوا بإخلاء سبيل الموقوفين وتسليم المتفجرات للحزب تحت الذريعة نفسها، وهي “ضرورات المقاومة”، بحسب ما أعلن نائب حزب الله حسن فضل الله في مؤتمر صحفي طالب فيه السلطة اللبنانية بتسليم المتفجرات والإفراج عن الموقوفين! وربما كان الأمر ليمرّ على غرار شاحنة الكحالة، لولا تدخل الإدارة الأمريكية، بدءاً بالاتصال الذي تم بين وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو ورئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، حيث بحث روبيو مع عون موضوع متفجرات حزب الله؛ الأمر الذي جعل الأجهزة الأمنية تحسب ألف حساب قبل الإقدام على تسليم المتفجرات للحزب وإطلاق سراح الموقوفين. في حين شدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام من جهته على السير في التحقيقات بشأن نقل المتفجرات ووجهة استعمالها حتى النهاية. وحتى الآن، تعاني السلطة إرباكاً بين تهديدات حزب الله بإعادة النظر في “قواعد اشتباكه” مع الدولة اللبنانية، وبين واجبات الدولة القانونية والأمنية لجهة حماية مواطنيها؛ خصوصاً أن المتفجرات المصادرة استُخدم ما يطابقها في عمليات اغتيال طالت أكثر من قيادي لبناني على خصومة مع حزب الله. وهناك خشية من أن تكون المتفجرات المنقولة من بعلبك إلى ضاحية بيروت الجنوبية تُنقل لاستخدامها لغايات مشابهة، وليس لمواجهة إسرائيل كما يدعي قادة حزب الله، كون الحزب لا يقوم بأي عمل عسكري في مواجهة الجيش الإسرائيلي منذ إعلان اتفاق الإطار وانكفاء عناصره إلى ما وراء الليطاني. هذا، إضافة إلى البعد الجغرافي للضاحية عن خطوط المواجهة؛ ما يعزز فرضية استخدام المتفجرات للاغتيالات أكثر من مواجهة إسرائيل، وهو دأبٌ ليس بغريب عن ممارسات الحزب. بعد أيام على مصادرة شحنة المتفجرات في البقاع، تمت أيضاً مصادرة شحنة ثانية من المتفجرات كانت محملة على ظهر “بغل” في جرود الهرمل. ومعلومٌ أن الحمير والبغال تعرف وجهتها فور تحميلها وتسير إليها منفردة حتى من دون مرافقة. وتمت مصادرة المتفجرات من دون أن يطالب بها حزب الله هذه المرة! قبل أيام أيضاً، وحين كانت قوة أمنية تداهم مستودعات أدوية إيرانية غير مرخص ببيعها في لبنان وأخرى فاسدة في محلة “غاليري سمعان” في العاصمة اللبنانية، قام عناصر من حزب الله بتطويق القوة الأمنية لمنعها من ختم المستودع بالشمع الأحمر ومصادرة الأدوية الفاسدة وإتلافها. وكان يحصل سابقاً أن تتراجع القوة الأمنية وتتم “لفلفة” الملف، ولكن هذه المرة صدرت الأوامر للجيش بمؤازرة القوة الأمنية المحاصَرة، التي تمكنت من إنجاز عملها وانسحاب عناصر حزب الله من محيط المكان. َ”ضرورات المقاومة” لم تحضر في خطاب حزب الله للرد على مصادرة الأدوية الفاسدة، بل حضر ما هو أسوأ؛ إذ أعلن الحزب أن القوة الأمنية التي توجهت إلى مكان المستودع — والذي يقع في منطقة أمنية حساسة كما جاء في بيان الحزب — لم تُنَسِّق كالعادة مع القادة الأمنيين في الحزب قبل توجهها إلى المكان! على الأثر، تحركت “كتيبة الموتوسيكلات” التابعة للحزب، والتي عادة ما تعيث فساداً وتخريباً في شوارع العاصمة، وبـ”القمصان السود” أيضاً في تذكير باجتياح 7 أيار/مايو للعاصمة وفي عملية إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، وبدأت تجوب الشوارع في استفزاز وترويع للمدنيين الآمنين في بيوتهم. تحرك الجيش وسيّر دوريات أمنية في العاصمة، وخصوصاً عند مداخل الضاحية وطريق المطار، وهي المراكز التي تنطلق منها الموتوسيكلات لعراضات الترهيب. حتى اليوم، لا يزال الوضع تحت السيطرة الأمنية، ولكن إلى متى؟ هل ستستمر القوى الأمنية بتقليم أظافر حزب الله وصولاً إلى نزع سلاحه؟ علماً أن هذا الأمر حاجة لبنانية ملحة قبل أن يكون حاجة إقليمية ودولية. وهل ستتغير العقيدة الأمنية للجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية من اعتبار “حزب الله” مقاومة، لتطبيق القانون بحق عناصره بوصفهم خارجين عن القانون؟ حتى اليوم، ما تز