تنطلق النظريات السياسية الحديثة من فرضية مفادها أن صعود المشاعر القومية والإيديولوجيات الكبرى يمثل خطوة متقدمة في مسار بناء "الدولة-الأمة"، حيث تعمل الهوية العابرة للعصبيات الضيقة كبوتقة لصهر الانتماءات الأولية، ممهدةً الطريق لتأسيس مجتمع مدني متجانس يقوم على سيادة القانون وتكافؤ المواطنة. وهذا بالضبط ما أوقف التمويل عن منظمات المجتمع المدني في لبنان اليوم بعد ان اعادت فئة منه استلهامها من عام ٢٠١٣ الى ٢٠١٩، والتي تحولت تهديدا الى ناشطين في ثورة ١٧ تشرين كامثال لقمان سليم. اذ إن اختبار هذه الفرضية في التجربة اللبنانية، وتحديداً خلال منتصف القرن العشرين في حقبتي كميل شمعون وفؤاد شهاب، أفرز واقعاً مناقضاً تماماً؛ إذ لم تكن الإيديولوجيات العابرة للحدود أداة تحرر من قيد الطائفية، بل تحولت سريعاً إلى رافعة سياسية وظفتها الأطراف المحلية للاستقواء بالخارج وإعادة رسم موازين القوى في الداخل. وبدلاً من أن تقود تلك المشاريع إلى إنتاج فضاء وطني جامع، اصطدمت بالبنية المجتمعية الراسخة، فاستحالت إلى "طائفية مموّهة" فككت الرابط الوطني للمواطنة، وأسقطت هيبة الشرعية الدستورية عبر الثورات والانقلابات، وجعلت المؤسسة العسكرية مكبّلة برهان حرج بين حماية السيادة وتجنب التفكك الأهلي، وهو المأزق ذاته الذي يتكرر اليوم بصيغة معاصرة مع معضلة السلاح الموازي وهيمنة الولاءات الحزبية الإقليمية على قرار الدولة ومؤسساتها. تجلّى الاستقطاب الإيديولوجي في أعتى صوره بتفاعلٍ مدمّر بين الدين والقومية؛ حيث جرى "تطييف القومية وتأميم الدين" لتعديل موازين القوى. ارتدت الناصرية لبوساً مذهبياً إسلامياً للضغط باتجاه تعديل ميثاق 1943، بينما احتمت النخب المارونية بقومية كيانية مسيحية واستدعت مظلات الغرب (حلف بغداد ومبدأ أيزنهاور). وتزامن ذلك مع بدايات توظيف السلاح الفلسطيني كرافعة عسكرية تخل باحتكار الدولة للعنف، ونشاط القومية السورية كإيديولوجيا انقلابية ترفض الكيان وتعدّه جزءاً من "سوريا الطبيعية". هذا التشظي أطاح بمفهوم المواطنة الحقة؛ إذ استُبدل الانتماء للدولة بولاءات عابرة للحدود وُزعت بين القاهرة والغرب وعقيدة الأمة السورية، مكرساً مقولة اللواء أحمد الحاج باستحالة ولاء المواطن للبنان وسوريا أو فرنسا في آنٍ واحد. ولّد هذا الاستقطاب "معضلة أمنية" (Security Dilemma) بلغت ذروتها في ثورة 1958؛ حيث رأى المسيحيون في المد العروبي خطراً يهدد الكيان، بينما رأى المسلمون في أحلاف السلطة الغربية مؤامرة لعزلهم، فتحولت تدابير الدفاع الذاتي إلى وقود للمواجهة المسلحة. وحين أمر الرئيس كميل شمعون الجيش بسحق الثورة، أدرك قائده اللواء فؤاد شهاب أن التدخل سيؤدي حتماً إلى انشطار الجيش طائفياً وقومياً بين ضباطه وجنوده؛ فاختار "الحياد الإيجابي والعملياتي"، حاصراً دور المؤسسة بحماية المرافق والحدود والفصل بين المتقاتلين، مضحياً بالنظام السياسي لإنقاذ الجيش والدولة من التفكك. ومع انتخابه رئيساً خريف 1958، بادر شهاب لنزع صواعق الأزمة خارجياً عبر لقاء "الخيمة" (1959) مع جمال عبد الناصر، محيداً لبنان عن الأحلاف الغربية مقابل اعتراف رسمي بسيادته ووقف التدخل في شؤونه. وحين حاولت القومية السورية ترجمة عقيدتها بانقلاب عسكري ليلة رأس سنة (1961-1962) بالتواطؤ مع ضباط متمردين، واجه شهاب المحاولة بحزم قضائي ودستوري رافضاً الانتقام الطائفي. وبالتوازي، أطلق "مشروع المواطنة التنموية والمؤسساتية" عبر إنشاء أجهزة رقابية وإدارية مستقلة كـ "مجلس الخدمة المدنية" و"التفتيش المركزي"، وتنمية الأطراف المحرومة استناداً لبعثة "إرفد"، مع تفعيل "الشعبة الثانية" كرادار استباقي لمنع اختراق الثكنات حزبياً وصيانة احتكار الدولة للعنف. إن استحضار هذا النهج يؤسس لمعالجة المعضلة الوجودية الراهنة في لبنان؛ فكما أثبت شهاب أن خلاص الجيش يكمن في عزله عن الإيديولوجيات العابرة للدولة لا بتبني إيديولوجيا مضادة، يفرض الواقع اليوم الانتقال من شعارات "تطهير الجيش من حزب الله" إلى تفكيك بنية الولاء الحزبي والموازي داخل المؤسسة وخارجها، وإعادة ربطه حصراً بالدستور وقرار السلطة الشرعية. فالغاية ليست استهداف الأفراد مذهبياً أو مناطقياً تجنباً لإعادة إنتاج الانقسام، بل إرساء قطيعة قانونية ومؤسساتية تفصل بصرامة بين الجندي الملتزم بالدفاع عن وطنه، ومن يُسخّر البزة العسكرية امتداداً لتنظيم مسلح أو شبكة نفوذ وارتهان إقليمي. وتتجسد ترجمة هذا الدرس الشهابي المعاصر في حزمة من الركائز البنيوية التي تعيد بناء الجيش كمؤسسة وطنية فوق الدولة لا أداة في يد قوى الأمر الواقع. وأولى هذه الركائز هي استعادة احتكار القرار لا احتكار السلاح فحسب؛ فنقطة الانطلاق الحقيقية تكمن في تثبيت مبدأ أن قرار السلم والحرب، ونشر القوات، وإدارة الاستخبارات العسكرية، وتحديد ق