مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر، تبرز الأحزاب العربية لاعباً محتملاً في تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل، خصوصاً وأن أي من الأطراف المتنافسة لم يجتز بعد عتبة الـ60 نائباً في الكنيست وفق استطلاعات الرأي، رغم رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأبرز منافسيه التحالف معها. وفي ظلّ المنافسة المحتدمة، هل تتحوّل هذه الأحزاب إلى بيضة القبّان في تشكيل الحكومة المقبلة؟ يبرز زعيم حزب "القائمة العربية الموحدة" (راعم) منصور عباس في قلب هذه المعادلة، معتمداً استراتيجية سياسية تقوم على بناء جسور مع الأحزاب اليهودية وتعزيز فرص مشاركة العرب في صنع القرار الإسرائيلي. فمنذ هجوم حركة "حماس" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، سعى عباس إلى تكثيف جهوده للتقارب مع المجتمع اليهودي، فأدان الهجوم في يوم وقوعه، وساعد في تأمين مساكن للإسرائيليين الذين نزحوا من المناطق المحاذية لقطاع غزة، وندّد مراراً باستخدام العنف، معتبراً أنه ألحق الضرر بالفلسطينيين. وفي موازاة ذلك، فضّل التركيز على القضايا اليومية للمواطنين العرب في إسرائيل، ولا سيما الجريمة والعنف والتمييز، انطلاقاً من قناعته بأن المشاركة في الحكم والتأثير في القرارات الحكومية يشكّلان السبيل الأجدى لتحسين أوضاعهم. وسبق لعباس أن كسر أحد المحرّمات السياسية عام 2021، عندما أصبح حزبه "راعم" أول حزب عربي ينضمّ إلى ائتلاف حكومي إسرائيلي. وكان قد خاض في البداية مفاوضات مع نتنياهو بشأن المشاركة في حكومته، قبل أن ينضمّ إلى خصومه في ائتلاف برئاسة نفتالي بينيت، ساهم في إطاحة نتنياهو من السلطة. وشكّلت تلك الخطوة تحوّلاً لدى الأحزاب العربية، التي اعتادت البقاء في صفوف المعارضة، إذ راهن عباس على أن المشاركة في الحكم تتيح التأثير في القرارات الحكومية وتحقيق مكاسب للمجتمع العربي. لكن التجربة لم تدم سوى أكثر بقليل من عام، قبل أن يعود نتنياهو إلى السلطة في انتخابات عام 2022، على رأس الحكومة الأكثر يمينية وتديّناً في تاريخ إسرائيل. وتأتي الانتخابات المقبلة وسط تصاعد التمييز والقيود المفروضة على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، الذين يشكّلون نحو 20% من السكان. ويقول ناشطون إن السلطات تتشدّد في قمع الاحتجاجات والتعبير عن الرأي، فيما تتقاعس عن مكافحة الجريمة المتفشّية في المجتمعات العربية، بحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس". وفي النظام السياسي الإسرائيلي القائم على التمثيل النسبي وتعدّد الأحزاب، نادراً ما يتمكّن حزب واحد من حصد الأغلبية المطلقة في الكنيست، البالغة 61 مقعداً من أصل 120، ما يفرض تشكيل ائتلافات حكومية. لذلك، تتمتّع الأحزاب الصغيرة بنفوذ سياسي يفوق حجمها الانتخابي، إذ قد تكون المقاعد القليلة التي تحصدها حاسمة في تأمين الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. ورغم إعلان نتنياهو ومنافسَيه، رئيس حزب "ياشار" غادي آيزنكوت وشريكه في المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، رفضهم تشكيل حكومة تضمّ أحزاباً عربية، يبقى أمام هذه الأحزاب خيار آخر، يتمثّل في دعم حكومة لا تمتلك الأغلبية البرلمانية. أما إذا تعذّر تشكيل حكومة تحظى بالدعم الكافي، فقد تدخل إسرائيل في أزمة سياسية جديدة تنتهي بالدعوة إلى انتخابات جديدة. عباس... هدف انتخابي لحملة نتنياهو؟ بحسب "نيويورك تايمز"، تحوّل منصور عباس إلى أحد أبرز أهداف الحملة الانتخابية لنتنياهو، الذي يحذّر الناخبين اليهود من أن خسارته الانتخابات ستجعل زعيم "راعم" صاحب النفوذ الحقيقي في الحكومة المقبلة، ويصوّره باعتباره تهديداً داخلياً قد يدفع نحو إقامة دولة فلسطينية. وتلفت الصحيفة إلى المفارقة في هذه الحملة، إذ إن عباس يركّز أساساً على القضايا الداخلية للمجتمع العربي، فيما قد يصبح السياسي الذي يتوقّف عليه نجاح المعارضة في إطاحة نتنياهو. وفي خطوة غير مسبوقة، اختار عباس النائب اليهودي يوآف سيغالوفيتش، المسؤول السابق في الشرطة الإسرائيلية والمنتمي إلى تيار يسار الوسط، ليحتل المرتبة الثانية على قائمة "راعم" الانتخابية. وترى "نيويورك تايمز" أن هذا التحالف قد يساعد عباس على مواجهة هجمات اليمين وتخفيف تحفّظات المعارضة على التعاون معه. تثير استراتيجية عباس انقساماً داخل المجتمع العربي نفسه. فبحسب الصحيفة الأميركية، ينتقده بعض العرب بسبب تجنّبه الحديث عن الحرب في غزة وتقديمه تنازلات سياسية سعياً إلى المشاركة في الحكم، بينما يرى آخرون أن هذه التسويات ضرورية لتحقيق مكاسب للمواطنين العرب. وفي المقابل، يبتعد عنه قادة المعارضة الإسرائيلية الذين أشادوا به سابقاً، في محاولة لاستمالة الناخبين اليمينيين. وهكذا يجد عباس نفسه أمام معادلة معقّدة: تقديم تنازلات لكسب قبول الأحزاب الإسرائيلية، من دون خسارة قاعدته الانتخابية العربية. ويقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور مراد حرفوش لـ