من غاليري سمعان إلى بشارة الخوري والسعديات، الى أزمة امتلاك عقارات في المتن الشمالي، تتوالى الأحداث الأمنية والتحركات الميدانية التي تثير القلق حيال الوضع الداخلي في لبنان، وتعيد طرح التساؤلات حول قدرة الدولة على فرض هيبتها وضبط الشارع، في ظل تصاعد التجاذبات السياسية وغياب التوافق بين القوى اللبنانية. وبين مخاوف من اتساع رقعة التوترات وتحولها إلى مواجهات يصعب احتواء تداعياتها، تبقى احتمالات الانفجار الأمني مفتوحة على مسارات عدة، وسط ترقّب لما ستؤول إليه التطورات الإقليمية، ولا سيما في سوريا. وفي هذا السياق، يحذّر الكاتب والمحلل السياسي سركيس أبو زيد، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، من أن تراكم الأزمات السياسية والأمنية، مقروناً بضعف قدرة الدولة على فرض سلطتها وغياب الاتفاق الداخلي، قد يدفع البلاد نحو تطورات خطيرة، من دون الجزم بإمكانية العودة إلى أجواء الحرب الأهلية. هل يقترب لبنان من انفجار أمني داخلي؟ قال أبو زيد إن الوضع الداخلي لا يدعو إلى الاطمئنان، في ظل غياب اتفاق سياسي فاعل، وعجز القوى السياسية عن تنفيذ ما تريده أو احتواء التوترات المتصاعدة، مشيراً إلى أن التجاذبات السياسية والاضطرابات الأمنية تتزايد، بالتوازي مع مشكلات أخرى، من بينها التهريب وقضايا أمنية وسياسية متعددة، الأمر الذي يفاقم التناقضات والخلافات الداخلية. ولفت إلى أن الدولة لا تبدو قادرة، في تقديره، على فرض هيبتها الأمنية بالشكل المطلوب، معتبراً أن معالجة هذه الأوضاع لا يمكن أن تتحقق من دون توافق داخلي واتفاق بين اللبنانيين، وهو ما لا يزال غائباً حتى الآن. وحذّر من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تراكم التوترات وتفاعلها، وصولاً إلى انفجار أمني محدود قد تتطور تداعياته بصورة يصعب على أحد تقدير نتائجها. ومع ذلك، لم يجزم بإمكانية اندلاع حرب أهلية، مشدداً على ضرورة مراقبة التطورات الإقليمية والدولية لمعرفة الاتجاه الذي سيسلكه لبنان. وعن أوجه الشبه بين المرحلة الراهنة والأجواء التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، رأى أبو زيد أن المقارنة لا تسمح، في الوقت الراهن، بإصدار حكم نهائي بشأن المسار الذي قد تسلكه البلاد. وأوضح أن مستقبل لبنان يبقى مرتبطاً بالتطورات الإقليمية والدولية، ولا سيما ما سيؤول إليه الوضع في سوريا، وطبيعة علاقاتها مع دول الجوار والقوى الإقليمية، في ظل التنافس بين تركيا والسعودية ودول عربية أخرى وإسرائيل على النفوذ والتأثير. وأشار إلى أن بعض الأطراف قد تحاول استدراج سوريا إلى أداء أدوار إقليمية، من بينها أدوار في لبنان، معتبراً أن أي تدخل سوري محتمل قد تكون له انعكاسات مؤثرة، بالنظر إلى حجم الوجود السوري في لبنان وتأثير التطورات السورية المباشر في الواقع اللبناني. وشدد على أن تحديد أوجه الشبه بين المرحلة الحالية ومرحلة ما قبل الحرب الأهلية يتطلب انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة، بدلاً من استباق الأحداث أو الجزم بنتائجها. هل يشكّل الدور السوري المحتمل عاملاً لإشعال الفتنة؟ ورداً على سؤال عمّا إذا كان يخشى أن يتحول الدور السوري المحتمل إلى عامل لإثارة الفتنة في لبنان، أجاب أبو زيد بالإيجاب، محذراً من أن طبيعة هذا الدور قد تكون أمنية أو ذات أبعاد مذهبية، بحسب الظروف التي قد ينشأ فيها. ولفت إلى أن عدد السوريين الموجودين في لبنان يتجاوز المليون، وفق تقديره، معتبراً أن وجود هذه الكتلة السكانية، في حال تصاعد الانقسامات أو اتخذت التطورات الإقليمية منحى طائفياً، قد يتحول إلى عامل ذي وزن سياسي وأمني في بعض المناطق. وأضاف أن هذا الاحتمال يستدعي متابعة دقيقة لما يجري في سوريا، لأن طبيعة التحولات هناك وانعكاساتها على العلاقات الإقليمية قد تؤثر بصورة مباشرة في التوازنات اللبنانية. وختم أبو زيد بالتأكيد أن المشهد اللبناني لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، وأن تحديد اتجاه المرحلة المقبلة يرتبط بما ستشهده المنطقة من تحولات، ولا سيما في سوريا، إلى جانب قدرة القوى اللبنانية على التوصل إلى تفاهم داخلي يحدّ من التوترات ويمنع انزلاق الخلافات السياسية إلى مواجهات أمنية أوسع.