إلى بيته في حارة صخر، كانت زيارة عابد عازرية في ليلة خريفية داكنة. زيارة سريعة لم تتخطَّ ساعتين من الوقت، لنحاول أن نفتح نوافذ الذاكرة والموسيقى والشعر. ولنتحدّث عن إصداره "شغف"، الكتاب الذي يشبه صاحبه في اتّساع أسئلته وقلقه وعدم قدرته على استنباط الإجابات الجاهزة. الجلسة وديّة ومؤنسة، رافقها شراب ماء الورد، وقليل من المداخلات الحميمة التي تخرج بالحوار من أسئلته المُعدّة إلى فسحة اللقاء الإنساني. هناك على مدى ساعتين، بين حكايات حلب وباريس، وجلجامش، بدا الحديث مع عابد أقرب إلى نزهة في ذاكرة الموسيقيّ الماثل أمامنا هنا، وهو ما زالَ يبحثُ عن الصّوت. عن إصداره الجديد وأشياء من البدايات والطفولة وحلب وبيروت، كان ل "المدن" الحديث التالي. ماذا يعني أن تختارَ، كموسيقي، هذه المرة الكتابة؟ أتصوّر أنهما الشيء نفسه. الموسيقى والكتابة شيء واحد، لكن الفرق بينهما أنني جمعت مواد الكتاب على مدى سنوات وتركتها جانباً. ربما يكون الكتاب هو الشيء الذي لا يُقال، أو الذي يعلِّق على الموسيقى بطريقة ما. إنها الحياة التي عاشها الإنسان على مدى سنوات طويلة، واللقاءات التي مرّ بها، والقراءات التي أنجزها. هناك قصص أراها مهمة بالنسبة إليّ، ويمكن أن يستفيد منها شاب أو أي إنسان آخر. فنحن، بوصفنا بشراً، نولد ونفنى، ونتشارك في النهاية تجارب إنسانية متشابهة. لذلك يمكن أن نتبادل هذه التجارب أنا والقارئ. ربما لهذا "شغف". البعض يكتب ليروي حكايته الشخصية، فيما آخرون سيرة جيل أو مرحلة أو مدن تغيّرت كثيراً. لماذا كتبت أنت تحديداً؟ مبدئيًا، قد يقرّر الكاتب أن ينجز كتاباً خلال شهر أو سنة، ثم يكتبه. لكنني لم أعمل بهذه الطريقة. كنت أجمع خواطر وموضوعات عشتها، أشبه برحلة يخوضها الإنسان ليكتشف نفسه أولاً، ويكتشف تجربته والحياة التي يعيشها مع الآخرين. إذا لم يخض الإنسان رحلة طويلة، ويلتقِ خلالها بشخصيات مهمة، فلا أعتقد أنه يكون قد عاش حياة حقيقية بالمعنى الذي أقصده. أتصوّر أنني عشت أشياء كثيرة أفادتني جداً، وهي التي صنعتني في النهاية. اللقاءات الكبيرة، وطفولتي، وما مررتُ به، ثم اللقاءات مع أشخاص جميلين جداً ساعدوني على النضج. ربما يكون الكتاب فرصة ليتعلّم القارئ من هذه التجارب، أو ليقول لنفسه: أريد أنا أيضاً أن أتبادل مع الآخرين هذه الطريقة في الحياة. كتابُكَ يحملُ عنواناً فرعياً "شغف صبي من حلب على ضفاف نهر السين" نحن أمام انتقال من حلب إلى باريس، بين الطفولة وعالم الفن، ماذا فعلت بك هذه الرحلة الطويلة التي ترويها في "شغف"؟ أول ما فعلته أنها جعلتني أقول جملة أوردتها في الكتاب. عندما وصلتُ إلى باريس، تقيَّأتُ كلّ ما تلقيته من أهلي ومن المدرسة ومن حلب، وكأنني أعدتُ التفكير فيه على ضفاف نهر السين. كان كل شيء مفروضاً عليّ، بينما شعرت في باريس، للمرة الأولى، بأنني حرّ، وأنني أستطيع أن أقول نعم أو لا، وأن أجوع أو لا أجوع، وأن أخرج أو أدخل كما أشاء. استأجرت غرفة صغيرة، وكانت هذه الغرفة بداية تعلّمي، للمرّة الأولى، كيف أعيش بعيداً من العائلة، وكيف أكونُ وحدي. وهذا أمر مهم، حتى لو كان شاقاً جداً. عندما تكون وحيداً، تصبح حقيقياً مع نفسك. إذا شعرت بالعطش، تشرب الماء، أما في الحياة الجماعية فقد يقول لك أخوك مثلاً: لم تعطش، ولم تشرب. الحياة الجماعية والعشائرية الموجودة في بلداننا لا تساعد الإنسان، في رأيي، على النضج بالطريقة نفسها. هل كان هذا الاسترجاع أمراً سهلاً عليك؟ أتصوّر أن هناك دائمًا عملية كيميائية تجري في جسد الإنسان. الأصوات التي سمعها في طفولته، والطعام الذي أكله، والتوابل التي شمّها، وكل ما مرّ به، لا يختفي. إنه يبقى في داخله، ويتفاعل، ثم يظهر من جديد. كل ما سمعته في طفولتي، مثلاً، يدخل في تكويني. لكنني لا أقلّده بالضرورة، لأن لديّ شيئاً أريد قوله، ونغمة أبحث عنها. عندما أضع يدي على آلتي الموسيقية، أعرف أحياناً أن هناك صوتين هما صوتاي، مع أنهما غير موجودين أصلاً في الآلة كما هي. في المقابل، أرى أن كثيراً من الرنين الموسيقي العربي يشبه بعضه بعضاً. لماذا؟ لأن الموسيقيين لا يبحثون بما يكفي. الموسيقى تحتاج إلى عمل، والأدب يحتاج إلى عمل، وكل شيء يتصل بالحرفة يحتاج إلى جهد. يقولون عندنا: جاءني الإلهام وأنا أتساءل مع نفسي أيّ إلهام؟ لا أؤمن بأن الموسيقى تقوم على الإلهام وحده، إنها تحتاج إلى عقل. والكتابة تحتاج إلى تفكير أيضاً. حضرت والدتك في كتاب "شغف". كيف هي صورتها في بالك وهل كانت استعادتها استعادةً لشيء جميل فقدته؟ أتصوّر أننا عندما نفقد شيئاً ندرك قيمته أكثر. يوم وفاة والدتي أدركت أنني فقدت شيئاً كبيراً. ومنذ ذلك اليوم بدأت أفكّر في اقتباس إنجيل يوحنا، وهو كتاب جميل جداً، وتلحينه. كانت والدتي شديدة الإيمان، وأردتُ أن أقدّم لها تحية وذكرى. أنا لا أتابع هذه الأمور ا