بعد سبع سنوات على انطلاق احتجاجات 17 تشرين الأول 2019، لا يزال لبنان يواجه تداعيات الانهيار الاقتصادي والمالي، في ظل تراجع القدرة الشرائية، وتفاقم الأعباء المعيشية، واستمرار الأزمات في القطاعات الأساسية، من الكهرباء والصحة والتعليم إلى المصارف والمالية العامة. وفي قراءة للواقع الاقتصادي والاجتماعي، رأى مدير المركز الاقتصادي والاجتماعي للدراسات الاستراتيجية الدكتور أحمد جابر ، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي انطلقت منها احتجاجات 17 تشرين جرى تسييسها، ما حال دون تحقيق الأهداف المرجوة منها، معتبراً أن لبنان انتقل، بعد سنوات من الأزمة، إلى ما وصفه بـ"الانهيار الاجتماعي"، حيث لم نصل بعد الى حدود "الانفجار الاجتماعي" ،نتيجة تراكم الاختلالات وغياب المعالجات الجذرية. وأوضح جابر أن التراجع التراكمي في الناتج المحلي الإجمالي بلغ، وفق تقديره، نحو 45%، مشيراً إلى أن الحرب الإسرائيلية على لبنان فاقمت هذا التراجع، لكن جذور الأزمة تعود أيضاً إلى السياسات التي سبقت الحرب، والتي لم تنجح في معالجة الاختلالات الاقتصادية والمالية المتراكمة. ولفت إلى أن الحكومات المتعاقبة أخفقت في معالجة ملفات أساسية، من أزمة الكهرباء والقطاع المصرفي وإدارة الأموال العامة، إلى النفايات والمشكلات المعيشية، محذراً من أن غياب سياسة إنتاجية فعالة يهدد الأمن الغذائي، في ظل العجز المزمن في الميزان التجاري وميزان المدفوعات. كما أشار إلى أن الليرة اللبنانية فقدت نحو 95% من قيمتها، معتبراً أن استقرار سعر الصرف لا يلغي استمرار تآكل القدرة الشرائية للمواطنين. وتوقف جابر عند الأزمات التي تطال القطاع الصحي، من ارتفاع كلفة الاستشفاء والأدوية، ولا سيما الأدوية المزمنة، إلى صعوبات المستشفيات في تحصيل مستحقاتها، بالتوازي مع تراجع قدرة المواطنين على تحمل النفقات الطبية. كما انتقد عدم تعزيز المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية بما يمكّنهما من توفير التعليم للفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط، وتخفيف الأعباء المالية عنها. وفي تقييمه للمرحلة التي سبقت الحرب، أشار إلى تحسن طفيف في مستوى المعيشة خلال عام 2025، مع توقعات كانت بتحقيق نمو اقتصادي قد يتراوح بين 4 و4.5%، إلا أن الحرب وتداعياتها بدّلت هذه التوقعات، وشدد على أن وجود سياسات بنيوية ورؤية اقتصادية واضحة كان من شأنه تعزيز قدرة لبنان على مواجهة الصدمات والحد من تداعياتها. وأكد جابر أن المشكلة لا تقتصر على تراجع المؤشرات الاقتصادية، بل تشمل غياب استراتيجية لتوليد النمو وخلق فرص العمل، وعدم تحديث التشريعات اللازمة لبناء اقتصاد سليم وتحقيق العدالة الاجتماعية، معتبراً أن تعاقب الحكومات من دون تغيير النهج والسياسات أبقى البلاد في دائرة الأزمات. وفي ما يتعلق بإمكانات التعافي عبر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، شدد جابر على أن المساعدة الخارجية لا يمكن أن تحل مكان الإصلاحات الداخلية، موضحاً أن الصندوق يشترط تنفيذ إصلاحات هيكلية، ولا سيما في القطاع المصرفي والإدارة العامة. وتساءل عن جدوى مطالبة الخارج بمساعدة لبنان، فيما لا تزال الإصلاحات المطلوبة غائبة، معتبراً أن مسؤولية الإنقاذ تبدأ بقرار لبناني وإرادة سياسية لتنفيذها. وختم جابر بالتأكيد أن لبنان الصغير بحجمة وبعدد سكانه يمتلك مقومات تساعده على النهوض، من بينها الاغتراب والسياحة والموارد البشرية والكفاءات اللبنانية المنتشرة في العالم، إضافة إلى إمكانات اقتصادية يمكن استثمارها لتوليد الإيرادات وتحفيز النمو، لكنه رأى أن الاستفادة من هذه المقومات تبقى مرتبطة بتوافر القرار السياسي والإرادة اللازمين لوضعها في خدمة الاقتصاد الوطني وإطلاق مسار التعافي.