مع اقتراب نهاية مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" بنهاية عام 2026، تتصاعد المخاوف في بلدات جنوبية من تداعيات رحيل قوة ارتبط وجودها على مدى عقود بالأمن والعمل والتجارة والخدمات، فيما تبدو بلدة إبل السقي واحدة من أبرز النماذج التي تكشف حجم هذا الارتباط. ففي البلدة الحدودية، تجاوز حضور "اليونيفيل" الجانب الأمني، بعدما نسج عناصرها علاقات اجتماعية مع السكان، وارتبطت بهم مصالح تجارية وفرص عمل وخدمات إنسانية، ما يجعل احتمال الانسحاب مصدر قلق لأهالٍ يخشون خسائر اقتصادية واجتماعية، إلى جانب التساؤلات بشأن الجهة القادرة على سد الفراغ المحتمل. وتأتي هذه المخاوف بعدما قرر مجلس الأمن الدولي، في آب 2025، إنهاء تفويض القوة الأممية بنهاية 2026 تحت ضغوط أميركية، فيما يطالب لبنان بتمديد مهمتها، وسط تحذيرات مسؤولين من تداعيات الانسحاب على الجنوب. ومن متجره في إبل السقي، يستعيد مارك دياب، البالغ 59 عامًا، سنوات طويلة ارتبط خلالها عمله بـ"اليونيفيل"، إذ شكّل عناصرها غالبية زبائنه، وساعد وجودهم في تمكينه من تأسيس مشروع تجاري يخدم البلدة. لكن العلاقة، بحسب دياب، تجاوزت المصالح التجارية إلى حياته العائلية، بعدما تزوجت شقيقته أحد عناصر حفظ السلام الإسبان وانتقلت للعيش في إسبانيا، ليقول إنهم أصبحوا "عائلة واحدة". وبدأ دياب العمل مع القوة الأممية عندما كان فتى، مؤكدًا أن متجره، الذي يبيع سلعًا متنوعة بينها الملابس والدخان، لم يكن ليرى النور لولا وجود جنود "اليونيفيل" الذين دعموا الحركة التجارية في البلدة. وعلى وقع أصوات القصف البعيدة، يحذر دياب من أن رحيل القوة سيضر بالاقتصاد المحلي والعلاقات الإنسانية التي نشأت على مدى عقود، معربًا عن حزنه لاحتمال فقدان عناصر عاشوا إلى جانب الأهالي سنوات طويلة. وتظهر آثار هذه العلاقة في حدائق إبل السقي، حيث ترفرف أعلام النرويج والهند إلى جانب لوحات تذكارية تركتها كتائب دولية، فيما شهدت العلاقة بين السكان والعناصر الأجانب حالات زواج وتكوين أسر مشتركة. من جهته، يؤكد رئيس بلدية إبل السقي جورج رحال أن "اليونيفيل"، منذ انتشارها عام 1978، أسهمت في تعزيز شعور السكان بالأمان، وقدمت دعمًا في مجالي الطب والمدارس، كما فتحت أبوابها أمام المجتمع المحلي خلال الصراع. ورغم إقراره بأن مغادرة القوات الدولية كانت متوقعة مع مرور الوقت، يرى رحال أن توقيت الانسحاب يثير القلق في ظل الظروف الأمنية الصعبة ونقص إمكانات الجيش اللبناني، الذي لم يستكمل انتشاره في جنوب البلاد. وتضم "اليونيفيل" نحو 7500 عنصر من 50 دولة، ويعمل معها نحو 400 موظف لبناني، إلى جانب شركات محلية تقدم خدمات بموجب عقود، ما يوسع نطاق التداعيات الاقتصادية المحتملة للانسحاب. ويحذر رحال من أن رحيل القوة سيطال المجتمع بأكمله بصورة مباشرة وغير مباشرة، متسائلًا عن الجهة التي ستتولى حماية السكان بعد مغادرتها، ولا سيما في مناطق عانت لعقود ضعف الحضور الفاعل لمؤسسات الدولة. وتتزامن هذه المخاوف مع استمرار الغارات والعمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان رغم إعلان وقف إطلاق النار، فيما لا تزال مناطق حدودية تحت الاحتلال، ويحول التصعيد دون استكمال عودة السكان إلى بعض المناطق المتضررة. بدوره، يشير المتحدث السابق باسم "اليونيفيل" لنحو عقدين أندريا تيننتي إلى أن القوة شكّلت أحد أكبر مصادر التوظيف والنشاط الاقتصادي في الجنوب، وأن تأثيرها امتد إلى شبكة واسعة من المؤسسات التجارية ومصادر الرزق. وفي إبل السقي أيضًا، يواجه خالد نهرا، البالغ 48 عامًا، احتمال إغلاق مشغله المتخصص منذ نحو 25 عامًا في تطريز المنتجات والشارات العسكرية، بعدما أصبح عناصر "اليونيفيل" زبائنه الرئيسيين، فيما يعتمد أكثر من 10 موظفين على المشروع. ويقول نهرا إن رحيل القوة قد يفرض إغلاق المشغل، رغم وجود موظفين أمضوا فيه 15 أو 20 عامًا ولا يعرفون مصدر رزق بديلًا، مشيرًا إلى أن البقاء في القرية شكّل ميزة أساسية للعمل المرتبط بـ"اليونيفيل". وهكذا، فإن اقتراب نهاية مهمة "اليونيفيل" لا يضع مستقبل الحضور الدولي في الجنوب وحده في الواجهة، بل يعيد أيضًا طرح مصير مصادر رزق وعلاقات اجتماعية وخدمات ارتبطت بالقوة منذ انتشارها عام 1978، في وقت يستمر فيه التوتر الميداني وتترقب البلدات الحدودية ما سيحمله عام 2027.