كيف يحمي لبنان حرّيته إذا ضعفت دولته، وكيف يصون تنوّعه إذا تحوّل اختلاف أبنائه إلى منفذ لصراعات الآخرين؟ سؤالان التقيا في ندوة "تحيّة إلى غسّان تويني في مئويته"، ضمن الدورة السابعة والستين لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب، التي أدارها رئيس تحرير "اللواء" صلاح سلام، بمشاركة الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة والنائب مروان حمادة والوزير السابق ناصيف حتّي. جمعت المداخلات بين قراءة تجربة الصحافي والمفكّر والديبلوماسي وشهادات القرب منه، مستعيدةً مشروعه لوطن مستقلّ وصحافة تحاسب السلطة. وفيما أبرز السنيورة تلازم الدفاع عن الدولة والحرّية والمسؤولية الأخلاقية في مسيرته، أضاء حمادة على ثبات انحيازه إلى حرّية الكلمة رغم تعدّد خياراته السياسية، وعلى انفتاحه وتسامحه في مواجهة أقسى المحن. وربط حتّي نداءه "دعوا شعبي يعيش" بضرورة استعادة الدولة قدرتها على الفعل وحماية لبنان من التحوّل إلى ساحة لصراعات الآخرين. صلاح سلام: الصحافة سلطة معنوية استهلّ سلام اللقاء باستعادة تويني صوتاً لبنانياً حمل قضايا وطنه في الصحافة والعمل السياسي والديبلوماسي. ورأى فيه صاحب مدرسة تصل حرية الكلمة بمسؤوليتها، وتجعل الصحيفة منبراً للديموقراطية والحوار والاختلاف، وسلطة معنوية تسائل الحكم وتدافع عن حقّ اللبنانيين في معرفة الحقيقة. ومن موقعه نائباً ووزيراً ومستشاراً ومندوباً للبنان لدى الأمم المتحدة، بقي القلم في صلب حضوره العام. واستعاد سلام نداءه أمام مجلس الأمن "دعوا شعبي يعيش"، بوصفه تعبيراً عن رفض اختزال لبنان في ساحة تتنازعها القوى والمحاور. ففي قراءته للحرب، أدرك تويني مسؤولية اللبنانيين عن اقتتالهم، كما أدرك كيف تتداخل معها مصالح الخارج وتمويله وتسليحه، حتى يصبح الوطن رهينة صراعات تتجاوز إرادة أبنائه. وأضاء سلام على امتداد هذه الأسئلة في مؤلفاته، من "دعوا شعبي يعيش" و"رسائل إلى الرئيس سركيس" إلى "سرّ المهنة وأسرار أخرى" و"الجمهورية في إجازة". ووصل بين صلابة موقفه العام وتجربته الإنسانية: رجل عرف السجن والخسارات، ثم دعا، بعد اغتيال نجله جبران، إلى دفن الأحقاد حين كان الانتقام أقرب إلى وجدان المفجوع". السنيورة: الدولة في قلب المشروع قدّم السنيورة قراءة لمسيرة امتدّت ستة عقود، شارك خلالها تويني في صنع الأحداث والتأثير فيها وتفسيرها. وحدّد ثلاثة مرتكزات لتجربته: لبنان الحرّ والمستقلّ والمتنوّع، والدفاع عن الدولة اللبنانية، وصون شرف السياسة والصحافة والعمل العام. وهي مرتكزات تستعيد إلحاحها كلّما تراجعت قدرة المؤسسات على حماية المواطنين وجمعهم حول مصلحة مشتركة. وقسّم هذه المسيرة إلى مراحل تتقاطع مع تاريخ البلاد. ففي الخمسينيات والستينيات ومطلع السبعينيات، اجتمع لدى تويني الصحافي الناشط والمثقّف الملتزم. وتجلّى ذلك في مقاربته الإصلاح والحريات والمواطنة، وموقفه من المحاولة الانقلابية للحزب القومي السوري، واهتمامه بالحرمان المناطقي والطائفي، ثم تعامله مع صعود المقاومة الفلسطينية وصولاً إلى اتفاق القاهرة وتداعياته. ومع اندلاع الحرب اللبنانية، تقدّم وجه رجل الدولة، ولا سيما خلال تمثيله لبنان في الأمم المتحدة في عهد الرئيس إلياس سركيس. وأشار السنيورة إلى دوره في المسار المؤدّي إلى القرار 425، ومواقفه من اتفاق 17 أيار والعلاقة بسوريا ومؤتمرَي جنيف ولوزان. وفي هذه المرحلة، تبلورت رؤيته إلى "حروب الآخرين" على أرض لبنان، واقتناعه بأنّ الخروج من المأزق يقتضي إخراج البلاد من تشابك الصراعات العربية والإقليمية والدولية. أما بعد الطائف، فعادت أسئلة الهويّة والانتماء والحكم والعلاقة بسوريا إلى الواجهة، بالتوازي مع جهود إعادة البناء والتفكير في شروط الدولة المدنية الحرّة. وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري، ثم اغتيال جبران، واصل تويني الدفاع عن لبنان وصيغته وحرياته، ولم يختر الانكفاء. وأفرد السنيورة حيّزاً لقدرة الرجل على الاحتمال، مستعيداً فقد ابنته نايلة وزوجته الشاعرة ناديا وابنيه مكرم وجبران. وربط بين معرفته بالفلسفة والفكر الإغريقي وبين سيرة اكتسبت ملامح تراجيدية، لكن صاحبها ظلّ قادراً على العمل والإبداع. وفي استعادته موقفه عند استشهاد جبران، بدت مقاومة الحقد امتحاناً للقيم التي دافع عنها طوال حياته. مروان حمادة: تعدّد الانتماء وثبات الحرّية انطلق حمادة من علاقة تجاوزت المصاهرة إلى الأخوّة والصداقة والزمالة والحوار الفكري، مع إقراره بأنّ التوافق السياسي لم يكن دائماً كاملاً بينهما. واستعاد تعرّفه إلى تويني عام 1954، وزواجه بشقيقته ناديا، وما واجهه هذا الارتباط من تحدّيات اجتماعية وطائفية. هكذا ظهرت الأسرة التي أسّساها صورة مصغّرة للتنوّع الذي آمنا به، بما يحمله من غنى وصعوبة معاً. ورسم حمادة شخصية تتقاطع فيها الأرثوذكسية والعلمانية، و