"ليبانون ديبايت"- العميد منير شحاده لم تعد الاضطرابات التي شهدتها فرنسا وامتدت مظاهر الاحتجاج فيها إلى إيطاليا وبلجيكا والبرتغال مجرد أحداث اجتماعية عابرة، يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية أو بوعود حكومية بتحسين الأوضاع المعيشية. فالمشهد الأوروبي الراهن يعكس تراكماً خطيراً بين أزمات اقتصادية واجتماعية داخلية، وتصدعات سياسية متنامية، وخلافات استراتيجية حول الحرب الأوكرانية، ودور الولايات المتحدة في حماية النظام الغربي الذي أسهمت واشنطن نفسها في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق، تكتسب التطورات الأخيرة أهمية إضافية مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتوريد الديزل الروسي، بالتزامن مع دعوة ترامب أوكرانيا إلى استبدال رئيسها فولوديمير زيلنسكي، وانتقادات حادة لهذا التوجه داخل الولايات المتحدة وبين حلفاء واشنطن الأوروبيين. فهل نحن أمام سلسلة أزمات منفصلة، أم أمام تحولات مترابطة تكشف أن النظام الغربي يواجه اختباراً استراتيجياً يتجاوز حدود الشارع الأوروبي والحرب في أوكرانيا؟ أولاً: فرنسا ليست وحدها... أزمة اجتماعية أم بداية أزمة سياسية أوروبية؟ شهدت فرنسا في 17 تشرين الأول موجة احتجاجات واسعة، شارك فيها مئات الآلاف، انطلقت من الاعتراض على تراجع الخدمات العامة وأوضاع المدارس ونقص المدرِّسين، قبل أن تتسع لتشمل غلاء المعيشة والتفاوت الاجتماعي والسياسات الحكومية. وتحولت بعض التظاهرات إلى مواجهات وأعمال تخريب ونهب، في حين بقيت أعداد كبيرة من المشاركين ضمن الاحتجاج السلمي. ولم تقتصر المظاهرات على فرنسا، إذ شهدت إيطاليا وبلجيكا والبرتغال تحركات احتجاجية مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بارتفاع تكاليف الحياة والأعباء الاقتصادية. لكن من الضروري التمييز بين انتقال الاحتجاجات كظاهرة اجتماعية وبين وجود تنظيم موحد يقودها، فحتى الآن التقارير المنشورة لا تثبت أن هذه التحركات كانت عمليات منسقة عابرة للحدود. إن العامل الأهم في الحالة الفرنسية هو أن الأزمة الاقتصادية تتقاطع مع أزمة ثقة سياسية. فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتدهور بعض الخدمات العامة و أزمة طلاب المدارسة تصبح أكثر خطورة عندما يشعر المواطن بأن المؤسسات لا تقدم حلولاً مقنعة، وأن القوى السياسية تتنافس على السلطة أكثر مما تتنافس على معالجة المشكلات اليومية. وتزداد حساسية هذا الوضع مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، في ظل صعود قوى سياسية شعبوية وتراجع قدرة التيارات الوسطية على احتكار المشهد. وقد أشارت تحليلات منشورة في مركز كارنيغي للسلام الدولي إلى أن الضغوط المالية والانقسامات السياسية في فرنسا يمكن أن تنعكس على قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات استراتيجية، ولا سيما في ما يتعلق بتمويل الاتحاد ودعم أوكرانيا. وهنا تظهر المفارقة: الدولة التي تُعد من أهم أعمدة المشروع الأوروبي تواجه ضغوطاً داخلية قد تحد من قدرتها على ممارسة دورها الخارجي. ثانياً: من الاحتجاج الاجتماعي إلى استغلال الفوضى لا يمكن تفسير أعمال العنف التي رافقت بعض المظاهرات باعتبارها التعبير الطبيعي عن المطالب الاجتماعية. فالانتقال من الاحتجاج السلمي إلى إحراق المباني والاعتداء على الممتلكات ومواجهة الشرطة يفتح الباب أمام مجموعات متشددة لاستغلال الغضب العام وتحويله إلى أزمة أمنية وسياسية. وقد تتباين دوافع هذه المجموعات بين العداء للمؤسسات، والتطرف الأيديولوجي، والرغبة في إحراج الحكومات، أو دفع السلطات إلى استخدام القوة بما يوسع دائرة المواجهة. ومن الناحية الاستخباراتية، يجب التمييز بين ثلاثة أمور: وجود غضب شعبي حقيقي، واستغلال هذا الغضب من قوى سياسية أو مجموعات منظمة، واحتمال تدخل جهات خارجية لتضخيم الانقسامات. فالأمر الأول تؤكده طبيعة المطالب الاجتماعية، والثاني يحتاج إلى تحديد المسؤوليات والأدلة، أما الثالث فلا يجوز اعتباره حقيقة لمجرد تزامن الاحتجاجات في أكثر من دولة. لكن غياب الدليل على وجود قيادة خارجية موحدة لا يعني أن الفوضى لا تحمل تداعيات استراتيجية. فكلما انشغلت الحكومات الأوروبية بأزماتها الداخلية، تراجعت قدرتها على بناء توافقات سياسية طويلة الأمد، وأصبح اتخاذ القرارات المتعلقة بالدفاع والطاقة وأوكرانيا أكثر صعوبة. وهذا تحديداً ما يجعل الاضطرابات الأوروبية جزءاً من صورة أوسع، حتى لو لم تكن نتيجة خطة واحدة. ثالثاً: ترامب وبوتين... عندما تتقدم المصالح الأميركية على وحدة المعسكر الغربي أحد أبرز التطورات التي تستحق التوقف عندها هو إعلان ترامب اتفاقاً لتوريد الديزل الروسي، قُدرت الكمية المعلنة المرتبطة به بنحو خمسة ملايين طن، بهدف زيادة الإمدادات وتخفيف ضغط أسعار الوقود. جاء ذلك في وقت أدى فيه ارتفاع أسعار الطاقة، المرتبط بالحرب مع إيران