اختتم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي زيارته الدينية إلى جبل آتوس المقدس في اليونان، وانتقل إلى العاصمة أثينا لمتابعة القسم الثاني من زيارته، الذي يركّز على الجانبين الرعوي والمسكوني. وفي ختام زيارته لجبل آتوس، زار الراعي مقر حكومة الجبل في العاصمة كارياس، حيث التقى رئيسها الأب يورغوس، كما جال على عدد من الأديار والتقى رؤساءها وجماعاتها الرهبانية. وكانت المحطة الأخيرة في دير سيمونوس بترس، حيث استقبله رئيس الدير الأب أليشاع في باحته، بمشاركة عدد كبير من أفراد الجماعة الرهبانية التي تضم نحو 65 راهبًا، بينهم رهبان من لبنان وآخرون يتقنون اللغة العربية. وجال الراعي والوفد المرافق في أرجاء الدير التاريخي، الذي يعود تأسيسه إلى نحو 1100 عام، واحتفل رهبانه عام 1963 بمرور ألف سنة على إنشائه. وبعد تبادل الهدايا الرمزية، عُقد لقاء موسّع في صالون الدير، تناول العلاقات المسكونية وآفاق التعاون بين الكنائس لمواجهة التحديات المعاصرة التي تهدد الشباب والعائلة في مختلف أنحاء العالم. كما استعرض المجتمعون محطات مفصلية من تاريخ جبل آتوس، ودور الإمبراطور ثيودوسيوس في بناء دير فاتوبيدي، فيما يشير التقليد إلى إسهامه في بناء دير سيدة قنوبين أيضًا في القرن الرابع. وشرح البطريرك الراعي الهيكلية التنظيمية للكنيسة المارونية، واطّلع في المقابل على النظام الرهباني المعتمد في جبل آتوس. الراعي: تراث جبل آتوس يحاكي تراثنا الديني في الوادي المقدس وفي كلمة له لدى مغادرته جبل آتوس، وصف الراعي الزيارة بأنها فرصة مميزة ومؤثرة للتعرّف إلى عمق الاختبار الروحي والإرث الثقافي اللذين يحتضنهما الجبل المقدس، وإلى الكنوز التراثية التي صنعها آباؤه المكرّسون وحفظوها إرثًا للكنيسة الجامعة والإنسانية جمعاء. وقال إن هذا التراث يحاكي التراث الديني في لبنان، ولا سيما في الوادي المقدس، وادي قنوبين، المصنّف على لائحة التراث العالمي، شأنه شأن جبل آتوس. لكنه أشار إلى فارق كبير بين الموقعين، موضحًا أن الجبل المقدس يضجّ بالحياة وينعم بشروط العيش والتنمية والعمران، فيما تُفرغ موارد لبنان من أهلها بفعل الإهمال والهجرة، رغم التراث العظيم الذي صنعوه، وذلك بسبب غياب الدولة عن تحمّل مسؤولياتها. وأضاف الراعي أنه يعود من الزيارة أكثر تعمّقًا روحيًا وامتلاءً بالخبرة الروحية، مثمّنًا حفاوة الاستقبال التي تعكس روح الأخوّة، وما أتاحته الزيارة من تعرّف إلى غنى الحياة الروحية اليومية في أديار الجبل. وأكد أن أديار جبل آتوس تجسّد شهادة لكنيسة المسيح التي تجمع الجميع، معربًا عن أمله في تعزيز التعاون بين الكنائس انطلاقًا من هذه الزيارة، ومشيرًا إلى سروره بوجود مجموعة من الرهبان اللبنانيين المكرّسين في الجبل المقدس. وجدد الراعي دعوته إلى رؤساء أديار جبل آتوس الذين التقاهم، وسواهم، لزيارة لبنان، مؤكدًا عزمه على متابعة هذه الدعوة. وفي أثينا، التقى البطريرك الراعي رئيس أساقفة اليونان إيرونيموس، وبحث معه العلاقات المسكونية بين مختلف المكوّنات المسيحية، والأوضاع في لبنان من جوانبها المختلفة، إضافة إلى ظاهرة الهجرة وما تتركه من تداعيات على العائلات والمجموعات والنسيج الاجتماعي في عدد من البلدان. ووجّه الراعي دعوة إلى رئيس الأساقفة لزيارة لبنان، كما سبق أن وجّه دعوات مماثلة إلى رؤساء أديار جبل آتوس، على أن يجري التنسيق بشأنها مع بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي. كذلك، اجتمع الراعي بمطران اللاتين في أثينا، وبحث معه شؤونًا رعوية. ومساءً، أقام سفير لبنان لدى اليونان كنج الحجل مأدبة عشاء على شرف البطريرك الراعي، حضرها القنصل العام كوين سلامة وعدد من أركان الجالية اللبنانية المقيمين في اليونان، إلى جانب لبنانيين قدموا خصيصًا لمناسبة الزيارة البطريركية.