تحدث الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم قبل أيام في مناسبة "وحدوية"، ليستعيد من حيث يدري أو لا يدري، خطاب التخوين والتكفير الذي كان يظن البعض أن الحزب طواه منذ زمن، فإذ به يستعيد عبارات البدايات التي تشير بقصد أو من غير قصد، إلى أنه لم يتجاوز تلك المرحلة إلا في الظاهر. في ذكرى المولد النبوي وأسبوع الوحدة الإسلامية (هو أسبوع استعراضي كأسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين، إذ لا وحدة ولا أمل فيها، مع ابتعاد متفاقم بين أبناء المذاهب داخل الطائفة الواحدة، بسبب المصالح المتضاربة وارتباط بعض المذاهب بدول وسياسات ومحاور)، تحدث قاسم عن "النبي الواحد للسنة والشيعة ولكل المسلمين"، وأضاف: "اليوم نلاحظ أن أميركا وكل أولئك الذين يعملون على خط الشرك والانحراف والكفر هم أمة واحدة". فهل يقصد بكلامه كلّ من ليس على أمة الإسلام، ليصدر عليه حكماً غيابياً؟ في الاصطلاح الإسلامي، لهذه الكلمات معانٍ دينية محددة، وإذا أردنا بحسن نية تحويل كلام قاسم إلى لغة سياسية مجردة من المصطلحات الدينية، فإنه يضع كل من لا يؤيد المحور الإيراني حكماً في محور الولايات المتحدة الذي يجمع المشركين والكافرين والمنحرفين. والمشركون وفق بعض التفسيرات الإسلامية المتشددة هم المسيحيون المؤمنون بثالوث لا يمكن الجميع إدراك معانيه، رغم أن كتاب المسلمين يعتبرهم "أهل الكتاب"، ولا يجوز إدراجهم مع الكفرة والمنحرفين، أمة واحدة. أما اعتبار الدولة ومن يرأسها ويرسم سياساتها في عداد "الأمة الواحدة" مع أميركا والكفرة والمشركين والمنحرفين، فهو أيضاً خروج عن منطق المؤسسات والمشترك الذي يجمع اللبنانيين، إذ إن محاولة فرض إرادات وسياسات على رئيس الجمهورية والحكومة، من باب التخوين والتهديد، لا تفترض حسن النية إطلاقاً. وافتراضاً لحسن النية، يمكن القول إن قاسم يقسّم العالم إلى محورين:- معسكر "خط المقاومة" والإسلام الرافض للهيمنة الأميركية والإسرائيلية، وهو بالمختصر المحور الايراني.- معسكر مقابل يضم أميركا والقوى التي يرى أنها تعمل ضد هذا الخط، ومنها دول عربية وإسلامية. لكن عبارة "الأمة الواحدة" لا تبدو موفقة على الإطلاق، ولو جاءت تعبيراً سياسياً عن وحدة المعسكر الخصم أكثر منها تعريفاً شرعياً لمجموعة دينية اسمها "أمة الكفر". القاموس حول الكفر والشرك والاستكبار تطور في خطاب "حزب الله". فالإمام الراحل الخميني تحدث عن "المواجهة الأساسية بين المستضعفين والمستكبرين"، مع حضور قوي لمفهوم "الإسلام في مواجهة الاستكبار العالمي". أما الأمين العام الراحل السيد حسن نصرالله، فقد أدخل هذا القاموس بصورة أكثر التصاقاً بالصراع اللبناني والعربي، فأصبحت إسرائيل والولايات المتحدة محوراً مركزياً في مفهوم الاستكبار، مع محاولة إبقاء خطاب الحزب قادراً على العمل داخل مجتمع لبناني متعدد الطوائف والمذاهب. ولم يذهب الحزب في عهد نصرالله إلى استفزاز مشاعر غير المسلمين، بل سعى باستمرار إلى احتضان الحالة الوطنية- المذهبية، واستمالتها، وهو ما أتاح له تحقيق اختراقات على الساحة المسيحية، والدرزية، بعد السنّية. اليوم، في خضمّ الحرب، والحصار الذي يلفّ الحزب ومعه المحور، يحتاج قاسم إلى البحث عن تجديد الخطاب وتطوير الفكر، ليرسم مرحلة جديدة مقبلة يمكن أن تواكب المتغيّرات الحاصلة حكماً.