لم تعد الحرب في اليمن تُقاس فقط بمساحات السيطرة، بل بقدرة كل طرف على مواصلة القتال وتحمل كلفته العسكرية والاقتصادية. ومع اتساع المواجهات في تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف، باتت المعركة تقوم على مسارين متوازيين: التقدم الميداني، وإنهاك الخصم ورفع كلفة استمراره في الحرب. تعمل القوات الحكومية، عبر عملية "فجر اليمن"، على استعادة مواقع إستراتيجية واستهداف تحركات الحوثيين وتعزيزاتهم، فيما يسعى الحوثيون إلى تثبيت مكاسبهم والضغط على المناطق الخاضعة للحكومة. وتبرز أهمية تعز والمرتفعات المحيطة بها بسبب إشرافها على طرق التموين ومحاور التحرك باتجاه الساحل الغربي وباب المندب، ما يمنح أي تقدم فيها تأثيراً يتجاوز حدود الجبهة نفسها. لكن التوسع يفرض كلفة على الطرفين. فالقوات الحكومية مضطرة إلى توزيع قواتها وعتادها على جبهات متعددة، فيما يحتاج الحوثيون إلى تأمين المواقع الجديدة وخطوط الإمداد ومواجهة الغارات والهجمات المضادة. كما تمتد المواجهة إلى استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مواقع عسكرية ومنشآت حيوية، ما يضيف بعداً اقتصادياً إلى الحرب. وفي المقابل، تواجه القوات الحكومية تحديات داخلية، أبرزها تعدد التشكيلات العسكرية وتباين القيادة، إضافة إلى أزمة مالية تفاقمت منذ توقف صادرات النفط في 2022 وتراجع الإيرادات العامة. أما الحوثيون، فيعتمدون على إيرادات الجباية في مناطق سيطرتهم لتمويل أجهزتهم العسكرية والأمنية والإدارية. إقليمياً، يسعى الحوثيون أيضاً إلى رفع كلفة الدعم الخارجي للحكومة عبر استهداف مصالح ومنشآت سعودية، في محاولة للضغط على الرياض ودفعها إلى تقليص إسنادها العسكري. لكن هذه المقاربة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ يرى تقرير لمجموعة الأزمات الدولية أن الهجمات دفعت السعودية إلى مزيد من الإصرار على دعم القوات الحكومية. وفي المحصلة، لا تبدو معركة اليمن محكومة فقط بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يستطيع الاستمرار لفترة أطول، وتثبيت مكاسبه، وتحمل كلفة حرب استنزاف مفتوحة.