لم تعد احتجاجات الغلاء في فرنسا مجرّد تحرّك اجتماعي عابر، بعدما تحوّل يوم 17 تشرين الأول إلى مشهد سياسي وأمني مفتوح على معركة تتجاوز الأسعار وتكاليف المعيشة، وتضع الحكومة واليمين واليسار أمام اختبار مبكر قبل نحو 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية. فما بدأ بتحرّكات طلابية ونقابية ومطلبية، شارك فيها طلاب المدارس والجامعات والمزارعون والمتقاعدون وأنصار "السترات الصفراء"، انتهى إلى مشاهد من الحرائق والنهب والاشتباكات، لتتراجع المطالب الاجتماعية إلى خلفية المشهد، ويتقدّم الصراع السياسي والأمني إلى الواجهة. وبدأت موجة الاحتجاج الحالية في أيلول داخل مدارس في الضواحي الشمالية الفقيرة لباريس، اعتراضاً على نقص المدرسين وتردّي المنشآت التعليمية، قبل أن تتوسع سريعاً لتشمل الغلاء، وضعف الإنفاق العام، وتراجع مستوى الخدمات، وارتفاع أسعار الوقود. ووفق صحيفة "لوموند"، رفعت النقابات سلسلة مطالب شملت زيادة الأجور والمعاشات، وخفض الأسعار، وحماية الخدمات العامة، فيما أعادت عودة حركة "السترات الصفراء" إلى الشوارع مشاهد احتجاجات عام 2018 إلى الواجهة من جديد. وبحسب وكالة "فرانس برس"، كان أكثر من 600 تحرك مقرراً في مختلف أنحاء البلاد، فيما أظهر استطلاع شمل 2000 شخص أن 45% من الفرنسيين يشعرون بالقلق من غلاء المعيشة والتضخم. قدّر وزير الداخلية لوران نونيز عدد المشاركين في احتجاجات السبت بنحو 550 ألفاً، في حين تحدثت النقابات عن أرقام تقترب من 800 ألف، وهي تعبئة تجاوزت حجم كثير من تحركات "السترات الصفراء" السابقة، وإن بقيت دون مستوى احتجاجات إصلاح نظام التقاعد عام 2023. لكن المشهد انقلب سريعاً مع تصاعد أعمال العنف. ففي باريس، انطلقت المسيرة الرئيسية بهدوء، قبل أن تتحرك مجموعات مقنّعة أضرمت النار في حواجز وسيارات، وهاجمت متاجر ومصارف، وحاولت اقتحام متاجر كبرى. وامتدت الاضطرابات إلى مدن أخرى، حيث أُحرق مبنى بلدية ليموج، واستُهدف مبنى بلدية مرسيليا، فيما أُحرق مكتب السياحة في ليون، بالتزامن مع تسجيل أعمال تخريب ونهب في ليل ورين ونانت وغرونوبل وأفينيون ومدن أخرى. في هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً ودركياً، فيما أظهرت التغطيات أن قوات الأمن واجهت مجموعات صغيرة شديدة الحركة، قادرة على تنفيذ هجمات متزامنة والتنقل سريعاً بين الأحياء. في المقابل، دخل أداء الشرطة بدوره دائرة التدقيق، بعدما أشارت وسائل إعلام فرنسية إلى فتح هيئة الرقابة تحقيقات في عشرات الادعاءات المتعلقة بعنف الشرطة، إضافة إلى إصابة مراهق بجروح خطيرة إثر انفجار قنبلة صوتية. وبذلك انقسم المشهد بين غالبية من المتظاهرين رفعت مطالب تتعلق بالتعليم والخدمات والقدرة الشرائية، وبين مجموعات تخريبية دفعت بأعمال النهب والعنف إلى صدارة المشهد. ونقلت "بي بي سي" عن طلاب مشاركين قولهم إنهم يريدون "تغييراً" لأن شيئاً لا يتحرك، فيما رأى متظاهرون آخرون أن أعمال الشغب سرقت قضيتهم وحوّلت الاحتجاج من تحرك اجتماعي إلى معركة أمنية. لكن تداعيات الشارع لم تبقَ أمنية فقط. فقد اختار رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الرد سياسياً بقدر ما ردّ أمنياً، واتهم "اليسار المتطرف"، وتحديداً حزب "فرنسا الأبية"، بتأجيج العنف، معتبراً أن استهداف الإليزيه ومقر الحكومة والجمعية الوطنية يكشف عن "مناورة سياسية". ودعا لوكورنو الفرنسيين إلى "اختيار معسكرهم" بين الجمهورية وقوات الأمن من جهة، والمجموعات التخريبية من جهة أخرى، معلناً الدفع بمشروع قانون يحمل اسم "المخربون يدفعون" أمام مجلس الشيوخ. وبحسب صحيفة "لوفيغارو"، كان كلام لوكورنو موجهاً بصورة أساسية إلى المرشح الرئاسي وزعيم "فرنسا الأبية" جان لوك ميلونشون، الذي شارك في إحدى المسيرات واتهم الشرطة بـ"الاستفزاز" وبفتح الطريق أمام الفوضى، لكنه أدان في الوقت نفسه أعمال النهب والتخريب. ردّ رئيس الحكومة على ميلونشون، معتبراً أن تحميل الشرطة مسؤولية العنف يمثل "انقلاباً خطيراً وساخراً في المسؤوليات"، وأن انتقاد قوات الأمن من دون تسمية الذين ينهبون ويهاجمون المؤسسات يمنحهم غطاءً سياسياً. كما دعا عمدة باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار إلى عدم التساهل مع اللصوص، في وقت طالب فيه زعماء باريس ومرسيليا وليون الحكومة بتفسير أسباب انهيار الأمن في مدنهم. وفي الجهة المقابلة، وجد حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف في مشاهد العنف والفوضى فرصة سياسية لتعزيز صورته بوصفه حزب "النظام". ووصف رئيس الحزب جوردان بارديلا الأحداث بأنها يوم "فرنسا الفوضى"، بينما اعتبرت زعيمة اليمين المتطرف والمرشحة للرئاسة مارين لوبان أن المطالب الاجتماعية المشروعة "اختطفتها أقصى اليسار"، متهمة ميلونشون بتبرير العنف. وفق "لوموند"، سارع "التجمع الوطني" إلى نشر مقاطع مصوّرة للمواجه