على الرغم من انتشار الجيش جنوبا في بعض القرى والبلدات، إلا أن عودة الدولة لا تزال ككثير من قرارات سابقة "حبرا على ورق"، إذّ إنّ المشهد العسكري الذي يُرسم في أذهان اللبنانيين عن عودة الدولة إلى الجنوب لا يزال ناقصا، ولعل صرخات الاهالي المتكررة، والرسائل المباشرة التي خاطب بها أهالي الجنوب رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام خير دليل على ذلك. رئيس الحكومة نواف سلام قال خلال جولاته الجنوبية إن وجود الجيش هو حضور للدولة واستعادة للسيادة. لكنه أقرّ، في الوقت نفسه، بأن سلطة الدولة لا تقتصر على الجيش والأجهزة الأمنية، بل تشمل المدارس والمراكز الصحية والبنى التحتية والخدمات العامة. وهنا تحديداً تظهر الفجوة: الجيش بدأ الانتشار في بعض البلدات، لكن مؤسسات الدولة المدنية لم تلحق به بالسرعة نفسها. وعود محددة منذ أشهر خلال جولة له في الجنوب في شباط الماضي، أعلن سلام مجموعة من المشاريع في بلدات حدودية، بينها تأهيل الطرق، وتحسين شبكات الاتصالات، وإصلاح شبكات المياه، وترميم المدارس، ودعم المزارعين. وفي يارين، شملت الوعود إنشاء خزان للمياه وإعادة بناء المدرسة المتوسطة. أما في طيرحرفا، فتحدثت الحكومة عن إصلاح مضخات المياه وتشغيلها بالطاقة الشمسية وتأهيل المدرسة الرسمية. وفي تموز، وبعد دخول الجيش إلى زوطر الغربية، عادت الحكومة لتتحدث عن فتح الطرق، ورفع الأنقاض، وإعادة الخدمات، وتأمين مساكن مؤقتة وانتقالية، بينها بيوت جاهزة، للعائلات التي دُمرت منازلها. لكن تكرار العناوين نفسها في أكثر من جولة حكومية يطرح سؤالاً عن حجم ما نُفذ فعلاً. حتى الآن، لا توجد أمام الرأي العام خريطة رسمية مفصلة تبيّن، ما أُنجز في شبكات المياه والكهرباء والطرقات والمدارس، في كل بلدة، وما لا يزال ينتظر التمويل أو القرار الأمني. وفي بنت جبيل، خاطب ممثلو البلديات رئيس الحكومة بعبارة مباشرة: "ننتظر بدء إعادة الإعمار الذي وعدتمونا به". وفي عيترون، تحدث الأهالي عن صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية وعن الأضرار التي أصابت برك الري وشبكات المياه. وهذه المطالب، التي نُقلت خلال جولة سلام الجنوبية، تؤكد أن المشكلة لم تعد في إعلان الخطط، بل في تحويلها إلى أعمال واضحة ومواعيد ملزمة. من جهة اخرى، باشرت الدولة أعمالاً لفتح الطرق وإزاحة الركام في عشرات البلدات. لكن جزءاً كبيراً من هذه العمليات اقتصر على دفع الأنقاض إلى جوانب الطرق لتسهيل المرور، من دون نقلها نهائياً أو البدء بإعادة بناء المنازل. فهناك فارق عملي بين فتح طريق أمام آلية عسكرية وبين إعادة قرية إلى الحياة. إزالة المباني المهددة بالسقوط تحتاج إلى كشوف هندسية وموافقة أصحاب العقارات وآلية لحفظ مقتنياتهم. أما إعادة الإعمار فتحتاج إلى تعويضات وتمويل ومتعهدين ورقابة ومهل تنفيذ. كذلك، بقي الوصول إلى بعض البلدات والأراضي محدوداً بسبب المخاطر الأمنية والدمار والذخائر غير المنفجرة. وفي نهاية حزيران، كانت أكثر من 60 بلدة ومزرعة لا تزال ضمن مناطق تخضع لقيود أمنية، ولذلك، فإن نجاح الانتشار في قرية لا يعني تلقائياً أن الظروف نفسها باتت متوافرة في كل القرى الحدودية. التمويل أقل بكثير من حجم الأضرار تستند الحكومة في جزء أساسي من خطتها إلى مشروع المساعدة الطارئة للبنان، المعروف باسم "LEAP". وقد حصل المشروع على تمويل أولي بقيمة 250 مليون دولار ضمن إطار قابل للتوسع إلى مليار دولار. لكن هذه الأموال وُضعت أساساً لمعالجة أضرار المرحلة الممتدة بين تشرين الأول 2023 وكانون الأول 2024، حين قدّر البنك الدولي حاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، بينها أضرار كبيرة في النقل والمياه والطاقة والمدارس والمستشفيات والخدمات البلدية. أما الحرب التي تجددت في عام 2026 فأضافت أضراراً جديدة لم تكن داخلة في التقديرات الأصلية. وتوضح بيانات البنك الدولي أن مبلغ 250 مليون دولار ليس ميزانية شاملة لإعمار الجنوب، بل دفعة أولى لحاجات طارئة ومحددة. ومن هذا المبلغ، خُصص نحو 50 مليون دولار للاستجابة العاجلة، بما يشمل رفع الأنقاض وإزالة الأبنية الخطرة وفتح الطرق، ونحو 175 مليوناً لإصلاحات في قطاعات المياه والطاقة والنقل والصحة والتعليم. وفي المقابل، لا تزال فجوة التمويل في المشروع تقارب 750 مليون دولار، فيما لم تعلن الحكومة موازنة موحدة ونهائية لبرنامج إعادة الإعمار. هذا النقص يفسر جزءاً من التأخير، لكنه لا يجيب عن أسئلة الأهالي بشأن ترتيب الأولويات: ما هي القرى التي ستبدأ فيها الأشغال أولاً؟ كيف ستُدفع التعويضات؟ ومن يحدد المنازل القابلة للترميم أو الواجب هدمها؟ وما هي المهل المحددة لإعادة المياه والكهرباء والمدارس؟ العودة إلى المنزل لا تعني استعادة الحياة حتى نهاية حزيران، كان نحو 400 ألف شخص قد عادوا من أصل قرابة مليون نازح. لكن جزءاً من هذه ا