أثار إعلان الباحث المصري إبراهيم طايع اختفاء معالم قبر الأديبة اللبنانية مي زيادة في مقابر الطائفة المارونية بمنطقة مصر القديمة في القاهرة، تساؤلات بشأن وضع المدفن، بعد نحو 85 عاماً على رحيل إحدى أبرز رائدات النهضة الأدبية العربية. ويستند ما أُعلن إلى ملاحظات الباحث خلال زيارته الموقع ومقارنتها بزيارات سابقة وثّقها بالصور، فيما لا يكفي غياب الشاهد وحده للجزم بمصير الرفات أو تحديد ما جرى للمدفن. ذكر طايع، في منشور عبر حسابه على "فيسبوك"، أنه فوجئ بتغيّر معالم المدفن واختفاء الشاهد الذي كان يحمل اسم مي زيادة ولقبها "نابغة الشرق" وتاريخ وفاتها، بعدما اعتاد زيارة المكان والتعرّف إليه. وأعاد ما أورده الباحث طرح أسئلة عن أسباب هذا التغيير، وإمكان تحديد موضع القبر وحماية معالمه. وتبقى الإجابة مرتبطة بتوضيح من الجهات المعنية، يستند إلى سجلات الدفن وتوثيق الموقع، بعيداً من الاستنتاجات التي قد تخلط بين اختفاء الشاهد وفقدان الرفات. من الناصرة إلى قلب الحياة الأدبية وُلدت مي زيادة في الناصرة عام 1886 لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر، حيث أصبحت من أبرز الأصوات النسائية في الحياة الثقافية العربية خلال النصف الأول من القرن العشرين. جمعت بين الكتابة والنقد والترجمة، وأتاح لها إتقان لغات عدة الاطّلاع على آداب وثقافات متنوّعة. وفي مقالاتها ومؤلفاتها، حضرت قضايا المرأة والتعليم والحرية، ضمن تجربة جعلت من المعرفة وسيلة لتوسيع حضور المرأة في المجال العام. احتلّ صالونها الأدبي في القاهرة مكانة بارزة، إذ جمع نخبة من أدباء عصرها ومفكّريه، بينهم عباس محمود العقاد وطه حسين وخليل مطران وأحمد لطفي السيد. ولم يقتصر حضورها على استضافة هذه اللقاءات، بل شاركت في النقاش الأدبي والفكري بصوتها ومواقفها. كذلك، بقيت مراسلاتها مع جبران خليل جبران جزءاً بارزاً من إرثها، بما حملته من تأملات في الأدب والحياة والحبّ والوحدة. توفيت مي زيادة في القاهرة عام 1941، ودُفنت في مقابر الطائفة المارونية. وبعد عقود على رحيلها، يعيد الجدل حول معالم قبرها طرح مسألة توثيق مدافن الكتّاب والمبدعين وصيانتها، بوصفها شواهد على تاريخ المدن وحياتها الثقافية. فالمكان الذي يحمل اسم كاتب يمنح القرّاء صلة ملموسة بسيرته، ويتيح للأجيال اللاحقة تتبّع أثره خارج صفحات الكتب. ومن هنا، تبدأ استعادة معالم مدفن مي زيادة بتحديد الوقائع وتوثيقها، بما يصون اسمها في المدينة التي احتضنت جانباً أساسياً من حياتها وتجربتها.