هل تنهار الأصوليات بانكشاف تناقضاتها، أم تستمرّ ما دامت الشروط السياسية والاجتماعية التي أنتجتها قائمة؟ وهل تكفي مراجعة تجربة حزب لفهم أزمته، أم ينبغي مساءلة الدولة والقوى التي ساهمت في إضعافها والمشاريع الإقليمية المتداخلة معها؟ فتحت ندوة "كيف تنهار الأصوليات من الداخل"، في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، هذه الأسئلة من خلال مناقشة كتاب الدكتور محمد علي مقلّد "نهاية حزب الله وسؤال الأصوليات"، حيث تحوّل العنوان إلى موضوع سجال حول النقد والمقاومة والعنف، وشروط الانتقال إلى دولة القانون والمؤسسات. شارك في الندوة الدكتور داوود رمّال والباحث هشام دبسي، بحضور رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة ورئيسة النادي الثقافي العربي سلوى السنيورة بعاصيري وجمع من المهتمّين. وبين قراءة الكتاب ومناقشة أطروحاته، برز اختلاف في تقدير وزن الداخل والخارج، وفي التمييز بين تراجع تنظيم وانتهاء المنظومة الفكرية والسياسية التي تمنحه أسباب الاستمرار. محمد علي مقلّد: المراجعة نقيض الإلغاء استهلّ مقلّد اللقاء بشكر المشاركين على جرأتهم في مناقشة كتابه، قائلاً إنّ عنوانه حال دون استضافته في صيدا، ومؤكّداً أنّه طلب نقداً قاسياً لأفكاره. وسارع إلى توضيح أنّ "النهاية" لا تعني دعوة إلى إنهاء "حزب الله"، ولا تمنّياً بزواله أو زوال أيّ حزب، بل استنتاجاً يتّصل بمأزق المشاريع التي لا تراجع أخطاءها. ومن موقعه الآتي من تجربة الحركة الوطنية والحزب الشيوعي اللبناني، أدخل نقد الذات في صلب مقاربته. فالمعارضة الجذرية لسياسة الحزب، كما شرح، لا تجعله عدوّاً: هو فصيل لبناني أخطأ كما أخطأت قوى سبقته. ومن هنا دعوته إلى الحوار والتعلّم من التجارب، بدلاً من تحويل الخلاف إلى إلغاء. وأقام تمييزاً بين مقاومة الاحتلال واستخدام السلاح في الداخل، فالدفاع عن الأرض يمنح الفعل مشروعيته الوطنية، فيما يحوّل الاقتتال الداخلي حاملي السلاح إلى ميليشيات، أياً تكن هويّاتهم. ورأى أنّ قيام الدولة لا يستقيم مع استمرار الميليشيا، رابطاً مستقبل المقاومة بالسؤال عن مشروعها بعد التحرير. واستعاد طرحه هذا السؤال على الحزب عام 1993، معتبراً أنّ أزمة المقاومة الوطنية اللبنانية ارتبطت، في أحد أسبابها الأساسية، بانهيار مشروعها السياسي لما بعد التحرير. وبالمنطق نفسه، رأى أنّ مشروع الدولة الإسلامية يحمل أسباب تعثّره، وأنّ العامل الداخلي حاسم في فهم الأزمات، فيما يظلّ الخارج عاملاً مساعداً يجد منافذه في الانقسامات المحلية. وفي ختام النقاش، رفض مقلّد أيّ اقتراح يقود إلى صدام بين الجيش و"حزب الله"، وأيّ خطاب يدفع نحو العنف، مشدّداً على أنّ رفض الحرب الأهلية يقتضي رفض سقوط دم لبناني جديد. وحدّد وجهة النقاش في الاتفاق على دولة القانون والمؤسسات. داوود رمّال: الأصولية تتجاوز هويّتها الدينية قرأ رمّال "حزب الله" في الكتاب مدخلاً إلى سؤال أوسع: لماذا تعثّر الانتقال إلى الدولة الحديثة، وكيف ملأت الأصوليات الفراغ الذي تركه هذا التعثّر؟ وأبرز ردّ مقلّد أزمة التخلّف إلى عجز تاريخي عن الانتقال إلى مجتمع الإنتاج والعلم، من دون اختزالها بالدين أو الاستعمار. لكنّه سأل عن كفاية تحليل البنى السياسية والدينية، داعياً إلى توسيع البحث ليشمل الاقتصاد والتعليم وإنتاج المعرفة والطبقات الاجتماعية وعلاقة لبنان بمحيطه. وفي مقاربته التكفير، نقل السؤال من النصّ ورجل الدين إلى البنية التي تحوّل التأويل البشري حقيقة مقدّسة، ثم سلطة وسلاحاً. وشدّد على ضرورة الفصل بين نقد الشيعية السياسية ونقد الشيعة، وبين نقد الإسلام السياسي ونقد الإسلام، حتى لا يعيد النقد إنتاج الإلغاء الذي يعترض عليه. ورأى أنّ الإصلاح الديني يحتاج إلى إصلاح الدولة والتعليم والقضاء والثقافة، لأنّ الطائفية والمحاصصة والفساد تنتج بدورها أشكالاً من العنف. كما وسّع مفهوم الأصولية ليشمل كلّ مشروع يحتكر الحقيقة ويضع الجماعة فوق الوطن والقانون، ولو ارتدى لباساً غير ديني. ومن هنا جاء تحفّظه على مفهوم "النهاية": فتراجع حزب لا يزيل بالضرورة شروط نشوئه. وقرأ أزمة "حزب الله" ضمن أزمة الدولة ومنطق الهيمنة الذي عرفته قوى لبنانية مختلفة، متسائلاً عمّا إذا كانت المقاومة جزءاً من مشروع الدولة أم تصبح الدولة جزءاً من مشروع المقاومة. وخلص إلى أنّ بناء الدولة يشمل، إلى جانب معالجة السلاح خارج مؤسساتها، قضاءً مستقلاً وإدارة فعّالة واقتصاداً منتجاً ومواطنة متساوية وسياسة خارجية سيادية؛ فالمطلوب تجاوز العقل الذي يستبدل المؤسسة بالزعيم والمواطنة بالطائفة. هشام دبسي: لا مراجعة بلا حقيقة ومصلحة وطنية ركّز دبسي على شروط المراجعة نفسها، معتبراً أنّها تحتاج إلى أرشيف وحقيقة مكشوفة واعتراف عميق بالمسؤوليات. وأشاد بجرأة مقلّد على مساءلة تجربته، لكنّه انتقد مراجعات لبنانية بقيت، في رأيه، محك