في ظلّ تصاعد الضغوط الأميركية على لبنان لإلغاء أو تعديل قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، وما يرافق ذلك من نقاشات حول إلغاء تجريم التعامل معها، يعود هذا الملف إلى واجهة التجاذبات السياسية والقانونية، وسط انقسام لبناني حادّ حيال طبيعة العلاقة مع إسرائيل وحدود التواصل معها، ولا سيما في ضوء المسار التفاوضي برعاية أميركية، وبين من يرى في تعديل القوانين القائمة خطوةً تواكب المسار الدبلوماسي وتفتح المجال أمام ترتيبات جديدة، ومن يحذّر من تداعياتها على السيادة الوطنية والمرتكزات القانونية التي تنظّم العلاقة مع دولة لا تزال في حالة عداء مع لبنان، تتجاوز القضية حدود تعديل نصّ تشريعي لتلامس مستقبل الخيارات الوطنية ومفهوم الدولة الواحدة. وفي هذا السياق، أكد النائب ياسين ياسين أن النقاش الدائر حول إلغاء قانون تجريم التعامل مع إسرائيل يتجاوز مسألة إلغاء نص قانوني أو تعديل بعض مواد قانون العقوبات، ويستدعي مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الدستورية والسياسية والاجتماعية، وطبيعة العلاقة بين لبنان وإسرائيل، والظروف الأمنية والوطنية التي تحكم هذه العلاقة، فضلاً عن التداعيات المحتملة لأي تعديل تشريعي. وأوضح ياسين، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن مقاربة هذا الملف يجب أن تنطلق من زاويتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالقوانين اللبنانية ذات الصلة، والنتائج القانونية والسياسية المترتبة على إلغائها أو تعديلها، والثانية تتصل بطبيعة العلاقة القائمة بين لبنان وإسرائيل، وما إذا كان أي تعديل قد يفتح الباب أمام أشكال مختلفة من التواصل أو التعامل، سواء على المستوى الإنساني أو الفكري أو الدبلوماسي، أو في ما يتعلق بالتطبيع والتجسس وسواهما من المسائل التي تستوجب تحديداً قانونياً دقيقاً. وشدد على أن المسألة لا يمكن اختزالها بإلغاء قانون واحد، معتبراً أن المطلوب هو تحديد طبيعة المواد التي يجري البحث في تعديلها، ومعرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بمواد في قانون العقوبات أو بتشريعات أخرى، من بينها القوانين المرتبطة بمقاطعة إسرائيل والاتفاقيات ذات الصلة. ولفت إلى أن هذه التشريعات تعود إلى مراحل تاريخية سابقة، مشيراً إلى أن مسألة مقاطعة إسرائيل تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، ما يفرض دراسة الإطار القانوني بكامله قبل اتخاذ أي قرار. الدستور والعدالة الاجتماعية وأفضل الممارسات الدولية ورأى ياسين أن أي قانون يجب أن يخضع، قبل إقراره أو تعديله، لمجموعة من المعايير الأساسية، في مقدّمها مدى توافقه مع الدستور ومبادئ العدالة الاجتماعية، وأكد أنه، عند التصويت على أي تشريع، ينظر أولاً في دستوريته، مشدداً على أنه لا يجوز التعامل مع القوانين بصورة انتقائية أو الاكتفاء بالنظر إلى نص واحد بمعزل عن المنظومة القانونية التي ينتمي إليها. وأضاف أن المعيار الثالث الذي ينبغي أخذه في الاعتبار يتمثل في أفضل الممارسات الدولية، لافتاً إلى أن لبنان ليس الدولة الوحيدة التي تواجه أزمات ونزاعات مع دول أخرى، وأن تجارب الدول المختلفة يمكن أن تشكّل مرجعاً لفهم كيفية التعامل مع هذه الحالات، ضمن ما يتناسب مع خصوصية الواقع اللبناني. وفي هذا السياق، شدد على ضرورة عدم حصر النقاش بمواد قانون العقوبات وحدها، بل توسيعه ليشمل مختلف التشريعات المرتبطة بالموضوع، مع التمييز بوضوح بين طبيعة الأفعال التي ينبغي أن تبقى مجرّمة، وبين التواصل الإنساني أو الفكري أو الدبلوماسي الذي قد يُطرح في سياق النقاش القانوني. واعتبر أن تحديد هذه الحدود بصورة واضحة شرط أساسي لتكوين موقف مؤيد أو معارض لأي مشروع. وقال إن السؤال لا يقتصر على ما إذا كان ينبغي إلغاء القانون أو الإبقاء عليه، بل يتصل أيضاً بطبيعة التعديلات المقترحة، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها. وأضاف أن من الضروري معرفة ما الذي سيتغير فعلياً إذا أُقرّ التعديل، وما إذا كانت هناك أحكام قائمة منذ سنوات ستتبدل، وما الأثر القانوني والسياسي لذلك. إسرائيل عدوّ… فهل تغيّرت الظروف التي تحكم العلاقة معها؟ وفي معرض تناوله للجانب السياسي والأمني، أكد ياسين أن إسرائيل لا تزال عدواً للبنان، وأن مناقشة أي تعديل يتعلق بطبيعة التعامل معها لا يمكن أن تنفصل عن الواقع الراهن، في ظل الحرب وما خلّفته من خسائر بشرية ودمار واسع. وأشار إلى أن لبنان شهد خلال الحرب سقوط آلاف الشهداء، فيما تجاوزت الأضرار، وفق الأرقام التي أوردها في حديثه، عشرين مليار دولار، فضلاً عن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية واستباحة الخصوصية اللبنانية. وسأل عن مدى إمكانية مقاربة إلغاء التجريم بمعزل عن هذه الوقائع، أو التعامل مع المسألة باعتبارها مجرد تعديل قانوني لا يرتبط بالسياق السياسي والأمني الذي يعيشه البلد. وتساءل ياسين عمّا إذا كانت الظروف التي كانت قائم