"خط العشرة" هو الاسم المحلي لمنطقة مشروع "الحزام العربي" الذي أقرّته الحكومة السورية عام 1974 عقب إنشاء سد الفرات لنقل أصحاب الأراضي المغمورة، وهو شريط يمتد على طول الحدود السورية-التركية بعمق 10 كيلومترات داخل الأراضي السورية، من مدينة المالكية شرقاً حتى رأس العين غرباً، بطول 280 كيلومتراً. ويقع ضمن "منطقة الاستقرار الزراعي الأولى"، وهي أكبر مناطق سوريا الزراعية خصوبةً بمساحة 2.7 مليون هكتار. وأمطار 350 ملم سنوياً، مما يجعل زراعة القمح والحبوب والبقوليات مضمونة حتى بدون ري، لكن يواجه المزارعون اليوم كارثة بيئية تهدد بإنهاء الوجود الزراعي بالكامل. إذ تحولت الأرض الخصبة إلى منطقة منكوبة بفعل ما أطلقت عليه "منظمة باكس الدولية للسلام" اسم "نهر الموت"، يخترق هذا النهر الأسود محافظة الحسكة، من بلدة "تل عدس"، قرب المالكية، ليمضي بحمولته القاتلة عبر "وادي رميلان" نحو الجنوب، ليغطي مسافة 160 كيلومتراً، مدمراً ما يمر به في 250 بلدة وقرية. في ظل ذلك يروي "خالد" (اسم مستعار لمهندس ومزارع) كيف تحولت نعمة المياه الجوفية إلى نقمة مالحة وملوثة تقضي على الأخضر واليابس. يُرجع "خالد" جذور المشكلة إلى مشروع نفطي قديم عُرف بـ"تجفيف النهر" بدأ عام 2010، وتفاقمت الأزمة بشكل دراماتيكي قبل نحو ثلاث سنوات مع إطلاق "مشروع الحقن". ويشرح خالد في حديثه لـِ "المدن" كيف تضخ شركات النفط كميات هائلة من المياه المرافقة للنفط (مياه الصرف الصناعي النفطي) داخل آبار مهجورة "أدى ذلك مع التشغيل المستمر إلى تشقق في الطبقات الجيولوجية، وتسربت هذه المياه السامة لتختلط بالطبقة الحاملة للمياه الجوفية السطحية التي نعتمد عليها في الزراعة". لكن لفهم ما يحدث داخل منظومة الحقن نفسها، التقينا بمصطفى وهو اسم مستعار لمهندس قضى أكثر من ثلاثين عاماً من حياته المهنية داخل محطة الحقن الرئيسية في حقول رميلان النفطية، قبل أن تنتهي مسيرته في 2024. يوضح المهندس المتقاعد أن محطة الحقن الرئيسية كانت تعتمد في السابق على 10 مضخات عاملة، ومضخات ضغط عالٍ مثبتة على رؤوس الآبار. ويشير إلى أنه بعد عام 2013، بلغت كمية "المياه الطبقية" التي يتم حقنها يومياً نحو 60 ألف متر مكعب، في أحواض ترابية يفصل بين حوضيها الثاني والثالث صمام 24 إنشاً. لكن، مع توقف آبار الضغط العالي عن العمل وانخفاض عدد مضخات محطة الحقن العاملة إلى ثلاث فقط، فقدت المحطة قدرتها على إعادة النفط عبر المضخات إلى خزانات المعالجة، ما أدى إلى انهيار الأحواض الترابية وغمرها بالنفط بالكامل. ونتيجة لذلك، تحول النهر المجاور إلى مجرى لـِ "المياه الطبقية"، وغالباً ما يحمل معه بقعاً نفطية متسربة، ليصل التلوث في مساره امتداداً إلى منطقة "جنوب نهر الرد" (نهر الرد او وادي الرد من روافد نهر الخابور). هو ما يتقاطع مع ما يراه المزارعون في أراضيهم، لكن آثارها بالنسبة إليهم لا تتوقف عند مجرى مائي ملوث، بل تصل إلى الآبار والمحاصيل. يتحدث المزارع "خالد" عن أرضه البالغة مساحتها 210 دونمات، كان يرويها من بئره الخاص، الذي أصبحت مياهه مالحة وغير صالحة للسقاية "المياه تحرق المحصول.. زرعنا القمح فاحترق، المصيبة أن حفر آبار جديدة لم يعد يجدي نفعاً، فالطبقة المائية بأكملها تلوثت بالملوحة". وبحسب خالد فقد أجبر هذا الواقع المزارعين على التخلي عن زراعة المحاصيل الاستراتيجية الصيفية التي تحتاج إلى ري مستمر، مثل القطن والذرة والخضراوات، والاعتماد حصراً على "الزراعة البعلية" التي تنتظر رحمة السماء. ويُقدر خالد خسائره السنوية الشخصية جراء هذا التحول القسري وتلف المحاصيل بما لا يقل عن عشرة آلاف دولار أميركي، ومع تضرر مئات المزارعين في 250 قرية، هذه يعني وصول الخسائر الإجمالية لملايين الدولارات، ما يطرح تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية لاستخراج النفط السوري بعد طرح الخسائر البيئية والصحية وتكاليف معالجتها، خاصةً أنّ تراجع الإنتاج الزراعي ليس الجانب الوحيد من خسائر الأهالي، إذ طالت الأعمال النفطية أراضيهم وممتلكاتهم. من تلوث المياه إلى تجريف الأراضي في هذا السياق، يؤكد "خالد" أن الشركة قامت بتجريف أراضٍ زراعية خاصة، بمساحات تتراوح بين 5 إلى 6 دونمات لكل حالة، بهدف حفر آبار نفطية جديدة أو تسوية قواعد للآبار، وذلك "دون أخذ موافقة صاحب الأرض، ودون أي تعويض مالي". كذلك تركت أعمال الحفر "جوراً بترولية مكشوفة" تُستخدم لتخزين النفط ومخلفاته. تحولت إلى أفخاخ مميتة، تسقط فيها الأبقار والأغنام وتغرق في النفط، دون مسؤولية أو تعويض، وهي أضرار اقتصادية تُضاف لجملة الخسائر. الحراقات والحمأة.. مصادر أخرى لـ"نهر الموت" أمام هذا الواقع يفصل المهندس مصطفى في الأسباب، لافتاً أن نسبة التلوث البيئي والإشعاعي في المنطقة وصلت إلى مستويات خطيرة جداً. ناجمة عن عوامل عدة، وأهمها