من "السترات الصفراء" إلى الطلاب والنقابات والأحزاب السياسية، اجتمعت قوى مختلفة في الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها فرنسا السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026. ورغم اختلاف مطالبها، يجمعها الغضب من ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة والسياسات الحكومية. فمن أبرز المشاركين في هذه التحركات، وماذا يريدون؟ "السترات الصفراء": عودة بعد ثماني سنوات عادت الحركة التي هزّت فرنسا عام 2018 إلى الشارع مجدداً. وكانت انطلقت احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل تحسين القدرة الشرائية والعدالة الضريبية. هذه المرة، بدأت الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي في أيلول/سبتمبر، وسط غضب من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والمواد الغذائية. ولا تمتلك الحركة قيادة موحدة، إذ ينظم ناشطوها تحركات مستقلة في مدن فرنسية عدة. الطلاب: من المدارس إلى الشوارع يشكّل طلاب المدارس الثانوية والجامعات جزءاً أساسياً من الاحتجاجات. وبدأت تحركاتهم منذ أيلول/سبتمبر اعتراضاً على نقص المدرسين وسوء أوضاع المدارس، قبل أن تتوسع إلى المطالبة بتحسين التعليم وزيادة الإنفاق عليه. ومن أبرز التنظيمات المشاركة اتحاد طلاب المدارس الثانوية (USL) والاتحاد الطلابي (Union étudiante)، إلى جانب مجموعات طلابية أخرى. النقابات العمّالية: مطالب تتعلق بالأجور انضمت الكونفدرالية العامة للعمل (CGT)، إحدى أبرز النقابات الفرنسية، إلى التحركات، مطالبة بزيادة الأجور والمعاشات وخفض الأسعار وتحسين الخدمات العامة. كذلك شارك اتحاد "سوليدير" (Solidaires)، فيما اختارت نقابتان كبيرتان، هما الكونفدرالية الفرنسية الديموقراطية للعمل (CFDT) و"القوة العاملة" (FO)، التركيز على تحرك نقابي آخر مقرر في 5 تشرين الثاني/نوفمبر. الأحزاب السياسية: من نزل إلى الشارع ومن بقي خارجه؟ برز حضور الأحزاب اليسارية في الاحتجاجات، وفي مقدمها حزب "فرنسا الأبية" (LFI) الذي يقوده جان لوك ميلانشون، وشارك الأخير شخصياً في تظاهرات باريس. كذلك انضم الحزب الشيوعي الفرنسي إلى الدعوات، وظهر أنصاره في المسيرات، إلى جانب الحزب الجديد المناهض للرأسمالية (NPA). وشارك حزب الخضر "البيئيون"، الذي تتزعمه مارين توندولييه، في التحركات، فيما أعلن الحزب الاشتراكي دعمه ودعا إلى المشاركة في التظاهرات السلمية، من دون حضور قيادي بارز في الشارع. في المقابل، لم يدعم حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، بزعامة جوردان بارديلا، هذه التعبئة، وانتقد التحركات ومخاطر العنف المرتبطة بها. وبذلك، يبرز اليسار بوصفه الداعم السياسي الأساسي للاحتجاجات، مع أن الأحزاب المشاركة ليست الجهة التي أطلقت الحركة أصلاً. حريق يُدمّر أجزاء واسعة من مبنى بلدية ليموج التاريخي: ما أهميته الثقافية؟ (فيديو) المزارعون والسائقون والناشطون البيئيون انضم أيضاً اتحاد الفلاحين (Confédération paysanne)، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع دخل المزارعين. وشاركت نقابات لسائقي سيارات الأجرة عبر التطبيقات، إلى جانب مجموعات بيئية تدعو إلى ربط العدالة الاجتماعية بحماية المناخ. تصاعد الدخان قرب كاتدرائية نوتردام، بينما يعبر قارب سياحي نهر السين في باريس، على هامش احتجاجات غلاء المعيشة في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب) رغم اختلاف انتماءاتهم ومطالبهم، يجتمع المحتجون على شعور بأن الأوضاع المعيشية والخدمات العامة تتدهور، فيما لا تستجيب السياسات الحكومية لمطالبهم. فـ"السترات الصفراء" تركز على الغلاء والقدرة الشرائية والضرائب، وتطالب النقابات برفع الأجور والمعاشات وتحسين ظروف العمل، بينما يريد الطلاب مزيداً من الإنفاق على التعليم ومعالجة النقص في المدرسين وتردّي أوضاع المدارس. أما المزارعون، فيحتجون على ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع مداخيلهم. وتتقاطع هذه المطالب مع مواقف الأحزاب اليسارية المشاركة، التي تدعو إلى تغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، وتعزيز الإنفاق على الخدمات العامة. لكن هذا التقاطع لا يعني أن الجميع يتحرك ضمن قيادة واحدة أو يحمل برنامجاً موحداً. فبعض المشاركين يريد تحقيق مطالب مهنية ومعيشية محددة، فيما يسعى آخرون إلى توسيع الاحتجاجات للضغط من أجل تغيير أوسع في السياسات الحكومية. ويبقى السؤال الأبرز بعد يوم الاحتجاجات الكبير هو قدرة هذه القوى المتنوعة على الاستمرار معاً، أم أن اختلاف أولوياتها سيعيد كل مجموعة إلى تحركاتها الخاصة؟