دخل النقاش حول إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل مرحلة سياسية جديدة، بعدما دعا النائب السابق فارس سعيد إلى إعادة النظر في التشريع الصادر عام 1955، معتبراً أن الظروف التي فرضت إقراره في عهد الرئيس كميل شمعون تختلف جذرياً عن الظروف التي يعيشها لبنان اليوم في عهد الرئيس جوزاف عون، ولا سيما مع انطلاق المسار التفاوضي مع إسرائيل والتحولات المتسارعة في المنطقة. وفي موقف نشره عبر حسابه على منصة "إكس"، اعتبر سعيد أن "قرار تعديل أو إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل شأن سياسي"، مشيراً إلى أن ظروفاً حكمت إصدار القانون في عهد شمعون، فيما تحكم ظروف مختلفة المرحلة الحالية في عهد عون. وأضاف أن "في زمن التفاوض مع إسرائيل وانقلاب المنطقة رأساً على عقب، إلغاء القانون أصبح حاجة"، داعياً إلى تشاور وزير الخارجية اللبناني مع جامعة الدول العربية، بما يضع المسألة في إطار سياسي ودبلوماسي أوسع. ويأتي موقف سعيد بعد أيام من كشف "ليبانون ديبايت" تفاصيل اللقاء الذي جمع السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى بعدد من النواب اللبنانيين في مقر إقامته في عوكر، حيث طُرحت 3 ملفات أساسية، هي "اتفاق الإطار"، والإصلاحات المالية، والقوانين اللبنانية التي تحظر التعامل مع إسرائيل. وبحسب المعلومات التي نشرها "ليبانون ديبايت"، شهد الاجتماع نقاشاً حاداً حول مطلب إلغاء التشريعات التي تجرّم التعامل مع إسرائيل، في ظل تباين واضح بين النواب بشأن توقيت الخطوة وانعكاساتها على المفاوضات. وفي المقابل، برز موقف للنائبة بولا يعقوبيان، التي اعترضت على إلغاء هذه القوانين قبل التوصل إلى نتائج تفاوضية، معتبرة أن لبنان لا ينبغي أن يتخلى مسبقاً عن أوراق يمكن استخدامها في التفاوض. كما ظهرت روايات مختلفة حول الجهة التي بادرت إلى طرح الملف خلال الاجتماع، بين من تحدث عن مطلب أميركي مباشر ومن أشار إلى أن النقاش بدأ بمداخلة نيابية. وتعود الخلفية القانونية لهذا الجدل إلى قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955، الذي أقرّه مجلس النواب في عهد الرئيس كميل شمعون. وتنص مادته الأولى على حظر عقد اتفاقات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع أشخاص أو هيئات مقيمة في إسرائيل أو تعمل لمصلحتها، عندما تتعلق هذه الاتفاقات بصفقات تجارية أو عمليات مالية أو غيرها من أشكال التعامل. ولا تقتصر أحكام القانون على المبادلات التجارية، بل تشمل أيضاً القيود على دخول البضائع والمنتجات الإسرائيلية وتداولها، فضلاً عن العقوبات المقررة للمخالفات، وفق الأحكام الواردة فيه. كما يرتبط تنفيذ القانون بالمرسوم رقم 12562 الصادر في 19 نيسان 1963، الذي ينظم عمل مكتب مقاطعة إسرائيل تحت إشراف وزير الاقتصاد والتجارة، ويتولى جمع المعلومات وإعداد الدراسات واقتراح الإجراءات اللازمة لتطبيق أحكام المقاطعة. لكن الإشكالية القانونية لا تنتهي عند قانون عام 1955، إذ يتضمن قانون العقوبات اللبناني أيضاً نصوصاً مستقلة تتعلق بالتعامل مع إسرائيل، ولا سيما المادة 278 وما يليها. وبالتالي، فإن إلغاء قانون المقاطعة أو تعديله لا يعني تلقائياً إلغاء جميع القيود والعقوبات الأخرى المرتبطة بالتعامل مع إسرائيل، ما لم تشملها تعديلات تشريعية منفصلة. ومن هنا تبرز أهمية ما طرحه سعيد، الذي لا يكتفي بالدعوة إلى إلغاء القانون، بل يربط القرار بالسلطة السياسية اللبنانية وبالتشاور مع جامعة الدول العربية، في ضوء الارتباط التاريخي بين التشريع اللبناني ومنظومة المقاطعة العربية. وبذلك، ينتقل النقاش من مجرد مطالبة أميركية بإلغاء تشريع قائم إلى سؤال سياسي وقانوني أوسع: هل تتجه الدولة اللبنانية إلى تعديل منظومتها القانونية بالتوازي مع المفاوضات، أم تعتبر أن أي تغيير يجب أن يكون نتيجة لاتفاق سياسي واضح، لا خطوة تسبقه؟ وبين دعوة فارس سعيد إلى الإلغاء، والتحفظات النيابية على توقيته، يبقى القرار النهائي في عهدة المؤسسات الدستورية اللبنانية، وسط نقاش مرشح للاتساع حول العلاقة بين مسار التفاوض والتشريعات التي تحكم التعامل مع إسرائيل منذ أكثر من 7 عقود.